حديث المدينة – السبت 5 أبريل 2025
زخم العمليات العسكرية الذي أشعل الوجدان الشعبي خلال الأسابيع الماضية توقف فيما يشبه “استراحة محارب”، ليس لالتقاط الأنفاس، بل للاستعداد لمرحلة مقبلة تهدف إلى تحقيق أهداف أخرى، وهي استكمال استعادة كل الأراضي السودانية إلى حضن الوطن. ولكن الوضع -في تقديري- ورغم انتصارات الجيش، يزداد خطورة، ولن يكون ممكنًا أن يستمر على هذا النحو.
حينما دخل الجيش القصر الجمهوري، غمر الشعب السوداني كله فرحة عارمة، ثم ارتفعت رايات البشارة أكثر بعد الانهيار الشامل لقوات التمرد في ولاية الخرطوم واستعادة المناطق والمقار الرسمية بالكامل. ثم بدأ ضجيج الفرح ينتظر الخطوة التالية: أن يرى ملامح الدولة العائدة إلى مواطنيها. عادت الأرض والبيوت والشوارع والمدن والأحياء، ولكن أين الدولة؟
الجيش له حساباته وتقديراته، ويعرف مواقيت الحركة والسكون، كل شيء محسوب وموقوت. صمت السلاح في الجبهات لا يعني سوى أن مرحلة أخرى من الانتصارات العسكرية في الطريق. رغم الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتكبها التمرد في مناطق الجموعية وأدت إلى حركة نزوح واسعة، فإن القصاص قادم. لا شك عندي أن الخطة العسكرية -التي لا يمكن للجيش أن يجعلها متاحة للإعلام أو الجمهور- تمضي بقوة وستحقق أهدافها كاملة. لكن تظل الحسرة والخوف في الظلام المخيم على الضفة الأخرى من الدولة: المسار السياسي المعطوب، حكومة تنفيذية غائبة تمامًا، هياكل مجمدة، وحالة “اللا دولة” تسيطر على المشهد وتحجب رؤية المستقبل القريب، فضلاً عن البعيد.
القوى السياسية عاجزة عن الفعل أو تقديم الحلول، وتستمرئ حالة المؤتمرات التي لا تنتهي وورش العمل بلا هدف، والوفود التي تسافر بحجة شرح الأوضاع لدول أخرى، وهم يعلمون أن هذه الدول لا تأخذ معلوماتها من الوفود السياسية طالما الحال يناقض ما يُقال.
السلطة السيادية غير راغبة في إفلات سيطرتها وقبضتها على مفاصل الدولة، وتفضل أن يستمر الحال على ما هو عليه. يساعدها في ذلك شعورها بأن الشعب السوداني المنكوب يعاند بصعوبة حالة الاصطفاف الفارغة من المعاني، على غرار “هلال-مريخ”، في ثنائيات ظلت مهيمنة على الضمير الشعبي دون النظر إلى المصالح والمستقبل. الشعب مشغول بمعركة “كيزان-قحاتة”، ومعركة حدود دارفور مع الولاية الشمالية، وغيرها.
دولة بمساحة قارة، وشعب مستنير، ومع ذلك لا أحد يعلم ما هي خطة الدولة ليوم، لشهر، لآخر العام، أو للسنة المقبلة. حالة فراغ وظلام دامس أشبه بإنسان يعيش في كهف مغلق لا يكاد يرى أمامه مترًا واحدًا.
في عالم اليوم الذي يحتشد بالاستراتيجيات الدولية والإقليمية، والمحاور والصراعات والأطماع، والحراك الذي لا يهدأ في كل الاتجاهات، والسباق المتوحش لحجز مقاعد في المستقبل، ما من دولة في العالم -حتى لو كان عدد سكانها لا يتجاوز سكان “الحاج يوسف” بالسودان- إلا ولها خارطة طريق تعبر عن طموحاتها في المستقبل، وتحفر الصخر لتشق هذا الطريق. إلا السودان، لا أحد يعلم ما تفكر فيه القيادة، ولو في الإطار الذي يتعلق بوجود الدولة نفسها، ناهيك عن آمال الشعب وأحلامه.
مثل هذا الحال لن يستمر.
صدقوني، لن يستمر.
اكتشاف المزيد من شبكة الخبر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.