حديث المدينة الأربعاء 2 أبريل 2025
خارطة كانت معلقة خلف السيد مني أركو مناوي، حاكم دارفور، وهو يلقي خطاب عيد الفطر، أثارت ضجة كبيرة. اعترض البعض على أن حدود ولاية دارفور امتدت عمداً لتلتصق بالحدود المصرية شمالاً، ضامةً الجزء الغربي من الولاية الشمالية.
في الحال، (اندلعت منك ثورة خانها الجلد) كما قال شاعرنا العباسي، فتحولت إلى معركة أسفيرية أزاحت من واجهة وسائل التواصل الاجتماعي فرحة انتصارات الجيش السوداني باستعادة ولاية الخرطوم. انقسمت المعركة إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول يستهدف مناوي شخصياً، حيث منحوه وسام الخيانة من الدرجة الأولى، بعد أن كان بطلاً قبل دقيقة من خطابه، ثم جردوه من صلاحيته ليكون سياسياً أو حاكماً أو يشغل أي منصب دستوري آخر.
أما الاتجاه الثاني فكان يركز على ترسيم الحدود، ليس بين السودان ودول الجوار، بل بين إقليم دارفور والولاية الشمالية، وبدأ الحديث عن جلب خرائط تعود لزمن بعانخي.
الحقيقة المُرة أن المنطقة المتنازع عليها خاوية – تقريباً – من السكان، “بيد دونها بيد” كما قال الشاعر المتنبي. ودارفور، بحدودها الحالية قبل خارطة مناوي، تعادل مساحة فرنسا، وربما معها النمسا. أما الشمالية فلا يتجاوز سكانها المليون، بينما هاجر منها – لظنهم أنها صحراء جرداء – داخلياً وخارجياً ربما عشرة ملايين. لكن الأكثر إدهاشاً أن سكان الولاية الشمالية الحاليين المنحدرين من إقليم دارفور يكادون يتفوقون عدداً على سكان الشمالية الأصليين.
والولاية الشمالية تتسع لعشرة أضعاف سكان دارفور والشمالية معاً. ولو جُمع كل سكان الشمالية واستضافتهم مدينة الفاشر وحدها، لربما لم يتجاوزوا حياً واحداً. بعبارة أخرى، هي معركة بلا معترك، في أسوأ توقيت تمر به البلاد، بينما التمرد يحاصر الفاشر ويتمدد في معظم أنحاء إقليم دارفور، لدرجة أنه يخطط لتشكيل حكومة في هذه المناطق.
ما الذي كان أساساً وراء تقسيم البلاد إلى مديريات في عصر الحكم البريطاني، ثم أقاليم في عهد الحكومات الوطنية، ثم ولايات في زمن الإنقاذ؟ ما المقصود بهذا التقسيم؟ أعني الهدف الأساسي من فكرة الحكم الفيدرالي. أرجو ألا تكون الإجابة “لتقصير الظل الإداري”، أو “لتسهيل الحكم”، أو “ليحس المواطن في كل إقليم أنه يدير موارده لصالحه”، فكل هذا مجرد “دجل” سياسي لتبرير فتح فرص لعمليات إجلاس دستوري للساسة. هؤلاء الذين يتولون المناصب التي يوفرها الحكم الفيدرالي، ويتمتعون بامتيازاتها مع أسرهم القريبة، تاركين لسكان الولاية دائماً حق التمتع بـ”رؤية أنفسهم في الحكم والسلطة”. إنها كذبة بلقاء يرددها الساسة لشعب أقصى أمانيه أن يفتح شاشة الأخبار فيرى أحد منسوبي إقليمه – المقيم في الخرطوم – يرتدي البدلة والكرافتة داخل القصر الجمهوري أو مجلس الوزراء.
وُقّعت اتفاقيات السلام في أبوجا، ثم الدوحة، ثم جوبا، فأفسحت المجال لأكبر عدد من الكراسي في السلطة، دون أن تؤدي إلى رصف كيلومتر واحد من الأسفلت، أو فتح فصل في مدرسة، أو حجرة في مستشفى، ولم تُغلق معسكراً واحداً للنازحين الذين أكملوا ثلاثة عقود يفترشون الأرض ويتغطون بالسماء ويقتاتون مما توفره المنظمات الدولية.
القصد من الحكم الفيدرالي هو خدمة الإنسان السوداني بلا تمييز بين سكان الأقاليم. المهم أن تتوفر أفضل بيئة مساعدة لخدمة الإنسان السوداني. لماذا لا نعيد النظر في الدور الوظيفي للتقسيم الإداري ليحقق أفضل عائد لصالح الإنسان السوداني؟ ما الذي يجعل التقسيمات الإدارية الحالية أو السابقة مقدسة، مكتوب عليها “ممنوع اللمس أو التفكير”؟ نحن في حاجة إلى إعادة النظر في كامل رؤية وتصميم منظومة الحكم الفيدرالي بما يحقق أعلى عائد بأقل تكلفة.
كيف؟
سأوضح لكم
نقلا عن – صحيفة التيار
اكتشاف المزيد من شبكة الخبر
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.