آراء ومقالات

حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : كيف نجعل التخطيط إجباريًا؟

كثيرون كلما تحدثوا عن التخطيط أثاروا المشكلة المزمنة: ما فائدة خطط على الورق لا ترى النور ولا يلتفت إليها أحد؟ صحيح ما يقولونه، لأن المسؤول التنفيذي – وزيرًا كان أم مديرًا – لا يرى فائدة في انتظار ثمرة قد تسقط في بيت جاره. موظفو الحكومة يريدون انتصارات سريعة تُسجَّل في ملفاتهم ليحصلوا على ترقية أو رضا المسؤول الأعلى، أو على الأقل «شكرة» ولو جاءت في كلمة عابرة.. المهم أن يقطف الثمرة في سلته.

يصبح السؤال: كيف نُجبر الوزير أو المدير أو أي مسؤول في كل الدرجات والمستويات أن يلتزم بالتخطيط؟

الأوفق أن ندرك أننا في حاجة إلى ابتكار نظام سوداني ينبع من سياق تجاربنا وأخطائنا، لتطوير إدارة مواردنا الهائلة.

معلوم أن الدول تقوم على ثلاث سلطات: السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، والسلطة التشريعية.

في السودان نحن في حاجة إلى سلطة رابعة: هي «سلطة التخطيط».

ننص عليها صراحة في الدستور.
مثل السلطات الثلاث الأخرى، تتمتع باستقلال وقوة التفويض الدستوري.

تنشأ هذه السلطة وفق مادة دستورية تمنحها الحق في تكوين المؤسسات الاتحادية والولائية التي ترسّخ قوة سلطتها وتفويضها في تصميم الخطة الاستراتيجية ومقتضياتها التنفيذية، ثم مراقبة الأداء للتأكد من الامتثال للخطة. وفي حال الخروج عنها، يعرض الوزير أو المدير أو المسؤول نفسه للمساءلة والمحاسبة، تمامًا كما يفعل المراجع العام الذي من حقه فتح بلاغات جنائية وإخضاع المسؤول الذي يخالف أسس المحاسبة المالية للتحقيقات في النيابة ثم الإحالة إلى القضاء.

تتولى هذه السلطة الإشراف على تكوين المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي والجهاز المركزي للإحصاء والمعلومات؛ ليكون الأول الذراع التي تتولى تصميم الخطة الاستراتيجية وإعادة تقويمها، بينما يتولى الثاني رصد التنفيذ والأداء الفعلي. ويرفع تقاريره مباشرة إلى سلطة التخطيط الاستراتيجي، ليصبح الجهاز التنفيذي خاضعًا تمامًا للخطة عبر المراحل المُحددة في جداول التنفيذ.

 

لنأخذ مثالًا يوضح الفكرة:

نصت الخطة الاستراتيجية على إنجاز 5000 كيلومتر من السكك الحديدية خلال خمس سنوات حتى نهاية 2030. الخطوط موزعة على مناطق السودان المختلفة حسب الخطة، ثم حُددت مراحل التنفيذ بمتوسط 1000 كيلومتر في العام.

ستكون مهمة الحكومة تصميم خطة تنفيذية لإنجاز الـ1000 كيلومتر المحددة للعام. عليها أن تجد التمويل، وتُبرم العقود مع المقاولين، وتباشر الأعمال الإنشائية بالطريقة التي تضمن إنجاز المرحلة المطلوبة في الزمن المحدد.

إكمال هذا العمل وفق الخطة هو التحدي الذي يحدد نجاح الحكومة أو فشلها، وبالضرورة نجاح الوزير أو فشله.

وفي نهاية العام، تواجه الحكومة سؤالًا لا يحتمل الاختباء خلف الأعذار أو البلاغة: كم أُنجز؟ وكم لم يُنجز؟
أرقام لا تترك أية مساحة للمراوغة. من أنجز يستمر في موقعه، ومن لم ينجز يغادر غير مأسوف عليه.

نظام أشبه بامتحانات الشهادة.. لا سبيل لكتابة الأعذار في ورقة الإجابة.. ولا مقياس سوى الدرجات.. وفي النهاية النتيجة نجاح أو فشل، ولا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار.

بالتأكيد، سيكون رئيس سلطة التخطيط الشخص الثاني بروتوكوليًا بعد رأس الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى