السودانيون في مصر… حين تُصنَع المخاوف وتُهزَم الوقائع

بقلم – خالد فتحي
◾في زمن تتقدّم فيه الشائعة على الحقيقة، وتُدار فيه المخاوف عبر منصات التواصل الاجتماعي أكثر مما تُدار عبر المؤسسات، يجد السودانيون المقيمون في مصر أنفسهم في قلب عاصفة هوجاء من الأخبار المتداولة، التي تتحدث عن حملات ترحيل قسري ومداهمات عشوائية واعتقالات جماعية، من دون أن يسندها دليل رسمي واحد.
◾بحث دقيق في المواقع الإلكترونية للجهات المصرية المختصة—من وزارة الداخلية والشرطة ووزارة الخارجية، إلى مجلس الوزراء ورئاسة الدولة—لا يُظهر أي بيان يقرّ بوجود سياسة ممنهجة لترحيل السودانيين اللاجئين أو المقيمين قسراً.
والأمر ذاته ينسحب على السفارة السودانية في القاهرة، وعلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي لم تُصدر بدورها ما يؤكد هذه الأنباء المتداولة.
◾في المقابل، تقف منصات التواصل الاجتماعي مكتظة بمنشورات صادرة عن صفحات غير رسمية، سودانية ومصرية على السواء، تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية، إذ لا تُرفق مصدراً موثقاً ولا رابطاً يحيل إلى جهة رسمية، بينما تكشف مراجعة الصور ومقاطع الفيديو المرافقة لها أنها مواد قديمة يُعاد تدويرها لإضفاء وهم الآنية والخطر الداهم.
◾الأكثر دلالة، وربما الأكثر فصاحة من كل ما سبق، هو الغياب شبه الكامل لشهادات حديثة من أسر أو أقارب أشخاص قيل إنهم رُحّلوا قسراً. ففي مثل هذه الحالات، لا تتأخر أصوات الأهل عادة عن الظهور، ولا تصمت المعاناة طويلاً في فضاء مفتوح كوسائل التواصل الاجتماعي. وحتى لو وُجدت مثل هذه الشهادات ووُثّقت، فإن حجمها غالباً لا يرقى إلى المستوى الذي يُروج له في مواقع التواصل الاجتماعي.
◾غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الأدلة، بل في الحضور الكثيف لخطاب الكراهية في هوامش هذه المنشورات. تعليقات عدائية، متشنجة، صاخبة، توحي وكأنها تعكس رأياً عاماً، بينما هي في الواقع لا تمثل سوى أقلية صاخبة، قادرة على تضخيم حضورها في فضاء رقمي يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ العقل.
◾هناك مؤشرات على أن ما يجري بإيعاز من الحكومة السودانية لإجبار مواطنيها على العودة إلى البلاد. وفي هذا السياق، تذهب الصحفية والكاتبة المهتمة بالشأن السوداني، الدكتورة أماني الطويل، إلى أبعد من ذلك، ملمّحة إلى أن ما يجري قد لا يكون معزولاً عن حسابات سودانية داخلية، مشيرةً إلى وجود ما يبدو أنه طلب غير معلن من الحكومة السودانية بالتضييق على بعض مواطنيها في الخارج، في إطار مقاربات سياسية مرتبطة بالصراع الدائر في السودان. وتحذّر الطويل من أن الاستجابة لمثل هذه المقاربات، إن وُجدت، قد تُحمِّل مصر كلفة إنسانية ومعنوية عالية، وتفتح الباب أمام استثمار هذه الإجراءات من قِبل أطراف وميليشيات تسعى لتشويه صورة القاهرة في الوعي السوداني الجمعي.
◾إلا أن منطق الطويل ينهار أمام حقيقة أن السودانيين الذين اضطروا إلى اللجوء إلى مصر لم يأتوا بناءً على تفاهمات بين الحكومتين، وأن الأخطار التي أخرجتهم من بلادهم ما زالت ماثلة، مما يجعل فرض العودة القسرية أمراً غير مبرر وغير واقعي.
◾كذلك التجربة الإنسانية تقول إن المجتمعات، حين تضيق بها الأزمات الاقتصادية، تبحث عن “كبش فداء” قريب وسهل. الوافد الأجنبي، أو الأقلية المختلفة، يصبح تفسيراً جاهزاً لمشكلات أعمق وأعقد من أن تُختزل في وجوده. هذا ما حدث مراراً في أماكن مختلفة، وليس السودان استثناءً، حين حُمِّلت هجرة الإثيوبيين مسؤولية ارتفاع الإيجارات، بينما تجاهل الخطاب الغاضب -حينها- حقيقة أن السوق العقارية انتعشت بفعل زيادة الطلب، وأن كثيرين استفادوا من هذا الانتعاش، سواء عبر ارتفاع العوائد أو دخول مستثمرين جدد، أو حتى استغلال بيوت كانت مهجورة أو غير مرغوب فيها من قبل.
◾لكل ما تقدّم، أظن—وليس كل الظن إثم—أن هناك تفاهمات غير مُعلنة، للتضييق على السودانيين في مصر لإجبارهم على العودة، كل طرف يحقق المكسب الذي يريده، والمؤشرات على ذلك كثيرة. ومن بينها تعليق الدراسة في مدارس سودانية في عدة مدن مصرية (“القاهرة، الإسكندرية، أسوان”) منذ الإثنين الماضي. خصوصا، إن ملف التعليم هو الأكثر أهمية لغالبية الأسر السودانية في مصر؛ فإن تعطّل، لا يبق أمامهم سوى الخيار الصعب بالعودة، أو الخيار الأصعب بالبحث عن مدرسة مصرية أو أجنبية لإلحاق أبنائهم بها.
◾وأمر أخير لا يقل أهمية: الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الشائعات على مجتمع يعيش تحت ضغط أمني ومعيشي خانق كان مدمراً. إحساس مطارد، وإحساس بعدم الترحيب، شعور قاتل. كثير من الأسر السودانية شعرت بالخوف والعزلة وانعدام السند، وهذا هو الأثر الأسوأ، الذي قد يترك ندوباً نفسية طويلة الأمد أكثر مما تتركه أي مخاطر مادية مؤقتة.
◾هناك قصص كثيرة تلخص حجم القلق واليأس الذي يعيشه الكثيرون، وتوضح كيف يمكن أن يصبح الخوف جزءا من الحياة اليومية، حتى أثناء القيام بأبسط المهام. تلك الحكايات المتناثرة تؤكد أن عدم الطمأنينة، أصبح يرافق الناس في أبسط تفاصيل حياتهم، وأن الخوف لا يقتصر على الأحداث الكبيرة، بل يتغلغل حتى في اللحظات العادية، مثل النزول لشراء الطعام أو مجرد المرور بشارع مزدحم.











