أمين عكاشة.. سادن «الإمبراطورية الأخلاقية» ورحلة القرن من الشمال إلى الجنوب

بورتريه: عادل فارس
لم يكن أمين عكاشة مجرد تاجرٍ عبرت قوافله ضفاف النيل، بل كان “بوصلة” وجدانية ربطت بين خرطوم الشمال وجوبا الجنوب بوشائج لا تقبل الانفصام. وبرحيله في القاهرة (السبت)، تُطوى صفحة من أضخم السير الذاتية في وادي النيل، لرجلٍ عاش بين (1850 – 2026)، شاهداً على تبدل الدول والأنظمة، وظل هو الثابت الوحيد على “عقيدة الحب” للأرض الجنوبية.
وريث الجذور
منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يطرق آل عكاشة أبواب جنوب السودان كعابري سبيل، بل كمؤسسين. ورث أمين عن والده ليس فقط مفاتيح التجارة، بل وصية مقدسة بالانحياز للإنسان الجنوبي. وفي مدينته الأثيرة “جوبا”، تحول متجره وديوانه إلى “مؤسسة وطنية” وملاذٍ عابر للإثنيات والطبقات، حيث امتزجت تجارته بالقيم، فلم يفرق يوماً بين ربح مادي وذخر أخلاقي.
التاجر الفدائي
خلافاً لـ “رأس المال الجبان”، اتسم عكاشة بشجاعة نادرة؛ فكان الظهير المدني والحاضنة اللوجستية لـ “الحركة الشعبية لتحرير السودان” منذ مهدها. دفع ضريبة مواقفه اعتقالاً وتضييقاً، لكنه ظل “جبل كجور” الذي لا تهزه الريح، وصديقاً صدوقاً للقادة التاريخيين، وعلى رأسهم الراحل د. جون قرنق، الذي رأى فيه نموذجاً لـ “السوداني الجديد” قبل أوان التنظير له.
هندسة الأمل
بعيداً عن صخب السياسة، كان عكاشة “مهندساً للأمل”؛ كفل الأيتام، وشيّد جسور المعرفة بتبني آلاف الطلاب من المدارس الابتدائية وصولاً إلى الدراسات العليا. لم تكن ثروته لتكديس الأرقام، بل كانت “وقفاً” للعامة، تتجلى سنوياً في إفطاراته التي تذوب فيها الفوارق بين المسؤول والبسيط، ليترك وراءه جيلاً من المبدعين والمهنيين الذين نبتوا من فيض عطائه.
رحل “العميد” تاركاً خلفه نخلة شمالية الجذور، أبنوسية الهوى، بعدما أثبت أن الأوطان لا تُبنى بالحدود، بل بالوفاء الذي يتجاوز القرون.











