عثمان ميرغني يكتب : الحسن.. سؤال وجيه ..
“الحسن” نازح في مروي.. كان يعيش في أحد أحياء الخرطوم الفقيرة، ويكابد شظف العيش في مدينة مليونية تتزاحم في قصعتها الأيدي الباحثة عن الرزق الحلال، ويعاني كثيراً في تعليم أولاده الذين يسخر كل موارده المالية الشحيحة لمواجهة مصروفات الدراسة والمواصلات والفطور.
مع تفاقم الأوضاع تحت هجير الحرب، اضطر – غير باغٍ ولا عادٍ – أن يعود إلى الجذور في مروي.. كان يتصور أنها أيام معدودات أقرب إلى كونها عطلة مع الأهل واستعادة الذكريات وتجديد العمر.. لكن السنوات تمددت.. وتأقلم هو والأسرة مع الحياة السهلة في مروي.. بل واستطاع أن يعمل في الزراعة ويكتسب منها أكثر مما كانت تدره عليه الوظيفة الحكومية المتواضعة في الخرطوم.
الأولاد تعودوا على المدارس في مروي، واندمجوا في مجتمعهم الأصل.. وما عادوا يذكرون الخرطوم إلا عند مرور شريط ذكريات عابر..
“الحسن”.. يواجه الآن سؤال العودة: هل يعود إلى الخرطوم؟ أم يستمسك بموطنه الأصل؟
الحسابات الاقتصادية ترجح مروي.. والاجتماعية تدفع بقوة للعودة إلى الخرطوم، لا لشيء إلا لكونها العاصمة.. وحيث تتوفر الخدمات وأجهزة الدولة الرئيسية.. والصيت الاجتماعي.
في عهد الإنقاذ، تقدم نواب برلمان ولاية معروفة بخطاب إلى الوالي يطالبونه بالتنسيق مع والي الخرطوم لمنحهم قطع أراضٍ سكنية في الخرطوم!!
نواب ولاية يُفترض أنهم معنيون بمصلحة سكان ولايتهم.. بينما يبحثون عن “نزوح” إلى الخرطوم.. هرباً من ولايتهم..
يصبح السؤال.. مع اجتهاد الحكومة في إصلاح المرافق في ولاية الخرطوم.. وتكرار النداءات التي تطالب مواطنيها بالعودة إلى الخرطوم.. ألا يجدر السؤال: وماذا عن المواطن الذي أصلاً لم يكن من مواطنيها، وشاءت ظروف الحرب أن تعيده إلى موطنه الأصل؟ أليس من حقه أن يستقر حيث نشأ.. مع عدم حرمانه من الخدمات والصيت ذاته الذي يتوفر في الخرطوم؟
لماذا تلح الدولة على العودة للخرطوم دون أن يصاحب ذلك خطة استراتيجية لإعادة توزيع الكتلة السكانية في مناطق السودان المختلفة حتى لا تعاني ولايات كاملة من الفراغ السكاني وهي تحتشد بالموارد؟
هل هناك محددات وضوابط لخطاب الحكومة المطالب بالعودة للخرطوم؟ أم أن منهج التفكير الرسمي يعتقد أن الاهتمام بالخرطوم أجلب لـ”لايكات” الفيسبوك من إضاعة الجهد والمال والوقت في مشروعات تخدم الولايات؟
أخشى أن ما نفعله يدعم ادعاء البعض أن بلادنا أكبر من قدرتنا على إدارتها..





