اللواء أ.ح/ سامي دنيا يكتب : قراءة متأنية في خطاب ترامب للزعيم المصري

من وجهة نظري، وعلى مسؤوليتي الشخصية، فإن الخلاصة المباشرة للخطاب الأمريكي الأخير بشأن سدّ النهضة ليست ودّية ولا مهدِّئة، بل هي ضبط سياسي ناعم لإعادة تعريف الأزمة وتقييد الحركة داخلها.
كيف يعمل الخطاب؟
لا وعود، لا ضمانات، ولا ضغط على إثيوبيا. يعيد تعريف الأزمة ويضع لها سقف حركة. لا يقول لمصر: نحن معك، ولا لإثيوبيا: تراجعي، بل يقول للطرفين: لا تغيّروا قواعد اللعبة.
لغة هادئة… ومضمون مُفرَّغ. ما لم يُذكر أخطر مما ذُكر:
لا حقوق مائية، لا ضرر جسيم، لا قواعد ملء وتشغيل مُلزمة، ولا آلية تنفيذ أو ضمان. تغييب متعمّد للمفردات القانونية الثقيلة، وتوصيف الأزمة كـ«نزاع مفهوم» بدل تهديد وجودي.
الحيلة الأساسية: تحويل التهديد الوجودي إلى نزاع قابل للإدارة، وسحب صفة الاستثناء، وإغلاق باب الحسم، وإبقاء الملف في مساحة التدوير لا الحل.
الجملة الأخطر: تحذير ناعم من الصدام العسكري، ليس نصحًا بل ترسيم خط أحمر. أما الرسالة الضمنية: أي تحرّك حاسم يساوي خروجًا عن الإجماع الدولي، لا دفاعًا عن حق.
لماذا الآن؟
لا تطوّر فني في السد (المشكلات والتمويل معروفة). الذي تغيّر هو السلوك المصري الإقليمي. التحرك المصري في الصومال كشف قدرة القاهرة على تغيير الموازين دون حرب، بأدوات سيادية ذكية وداخل الشرعية. هذا بالضبط ما تسعى واشنطن إلى احتوائه. فتح ملف السد الآن ليس مبادرة حل، بل فرملة سياسية قبل اتساع هامش المبادرة المصرية في القرن الإفريقي.
الخلفية الحقيقية: الصومال والقرن الإفريقي.
واشنطن ترى السد ضمن منظومة: القرن الإفريقي، أمن البحر الأحمر، الطاقة، إدارة النفوذ، والتنافس الدولي.
لماذا ذُكرت السعودية والإمارات؟
إدراج مقصود بثلاث وظائف:
توسيع الأزمة من ملف قانوني إلى إقليمي يُدار بالتوازنات، وإعادة توظيف الخليج ككابح لا كداعم؛
أي تصعيد يُقرأ كتهديد للاستقرار الجماعي؛
والتمهيد لمسار اقتصادي (طاقة/استثمار/بنية تحتية) والانتقال من منطق الحقوق إلى منطق الصفقات.
ماذا تريد واشنطن تثبيته؟
إثيوبيا داخل شرعية الأمر الواقع، السد خارج أي تهديد حقيقي، ومصر داخل سقف التهدئة والانضباط. والهدف: ضبط الإيقاع لا حل الأزمة.
الخاتمة الاستشرافية:
السؤال لم يعد: ماذا تريد واشنطن؟ بل: هل تقبل مصر هذا الضبط الناعم؟
إن قبلت، يُغلق السد كقضية حقوق، ويُفتح كملف إدارة ومقايضة.
وإن رفضت، يتّسع نموذج الصومال: أدوات إقليمية هادئة وملف سد مفتوح لا صفقة مغلقة.
الرسالة النهائية:
الخطاب هادئ في لغته، حاسم في رسالته: مصر، توقّفي عند هذا الحد.
لا تنخدعوا باللطف الأمريكي في الواجهة؛ لم تعد أمريكا تمتلك لطفًا لأحد.
أرجو أن أسمع رأي المختصين من حضراتكم في هذه القراءة، ولكم كل الشكر والاحترام.
والحمد لله رب العالمين، واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون.






