مصعب رشاش يكتب : الشعب الخطأ في الدولة الصحيحة
Rushash72@gmail.com
الأمر المثير للتعجب هو أن يهبنا الله بلاداً بهذه المساحة , بلاد متعددة المناخات , تجري على ظهرها و من تحتها الأنهار و من فوقها الأمطار ثم لا نستطيع أن نملك قوتنا أو قرارنا . بلاد ترقد على ظهرها و في باطنها الثروات و لم تتمكن من أن تحقق نهضة . بلاد وقاها الله شرور الطبيعة و كوارثها , بعيدة عن مراكز نشاط الزلازل و البراكين و الأعاصير المدمرة و التسونامي و تراكم الجليد .
بلاد ليست كهولندا التي تقع ثلث أراضيها تحت مستوى سطح البحر . و ما انفكت تصارع الماء و تروضه بتقنيات و أساليب أذهلت العالم . و ما فتئ شعبها يردم البحر ليؤسس المدن و المزارع و المنشآت الصناعية العملاقة حتى قال فيها الفيلسوف رينيه ديكارت قديماً : ( خلق الله الكون و صنع الإنسان هولندا ) . و بذلك استحقت هولندا أن تتبوأ مقعدها ضمن نادي العالم الصناعي المتقدم عن جدارة .
بلادنا ليست مثل النمور الآسيوية التي حققت معجزة إقتصادية قبل عقود و نهضت من بين ركام البراكين و ظلت تقاوم التسونامي مثل الذي حدث في جزيرة سومطرة الاندونيسية عام 2004 و قتل أكثر من 200 الف شخص و خلف خسائر اقتصادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات في دول مثل اندونيسيا , تايلاند , ماليزيا و الهند و سريلانكا .
اندونيسيا مركز الزلزال الذي أحدث التسونامي و أكثر الدول تأثراً به و فقدت أكثر من 160 الف قتيل و دمرت بينتها التحتية , هي الآن عضو في مجموعة العشرين ( أكبر 20 اقتصاداً في العالم ) .
و التحديات البيئية في اندونيسيا الدولة التي تضم أكبر عدد من المسلمين (280 مليون نسمة ) , ليست في الزلازل و التسونامي فقط . و إنما يكمن التحدى الأعظم في أن الدولة تتكون من أكثر من 17 الف جزيرة فتأمل !!! . ذلك الأمر الذي يتطلب مجهودا خارقاً لتأسيس البنيات التحتية و ربط الجزر ببعضها البعض . و أما العاصمة جاكرتا التي تضم إلى جانب ريفها نحو 40 مليون نسمة , فقد ظلت تهبط سنويا بنحو 10 سم و تعاني من السيول و الفيضانات المدمرة سنوياً .
أما اليابان , الدولة العظمى المصنفة ضمن أكبر خمسة اقتصادات في العالم فتواجه تحديات طبيعية و مناخ متطرف و استطاعت أن تبتكر مباني مقاومة للزلازل . و قد شهدت في العام 2011 التسونامي الشهير الذي سبب كارثة مفاعل فوكوشيما النووي و خلف 20 الف قتيل و مئات الآلاف من المشردين بعد أن دمر 120 الف مبنى و قدرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عنه ب 200 مليار دولار .
هل تفسر نظرية المؤرخ البريطاني ( ارنولد توينبي ) عن التحدي و الاستجابة سوء حالنا و حسن حالهم ؟ فالمفهوم العام لنظرية التحدي و الاستجابة هو أن الحضارات تنشأ عندما تواجه المجتمعات تحديات كبرى و تستجيب للتحديات من خلال الابتكار و التنظيم و التكيف الثقافي . و ان المجتمعات التي توجد في بيئات صديقة و مسالمة و يسهل فيها العيش يصيبها الكسل و الخمول و لا تجتهد في بناء حضارة .
بحسب اعتقادي , أن هناك عدة عوامل اجتماعية و ثقافية حالت دون انطلاقنا في رحلة النهضة و التقدم منها ما يلي :
أولاً : عدم وجود مشروع وطني نهضوي . و ذلك العدم يعود بالأساس إلى غياب الفكر و الفعل الوطني الجاد من قبل المؤسسات و الشخصيات السياسية . فقد باتت الممارسة السياسية تقوم على المصالح الفئوية و تتمحور حول المكاسب المباشرة و القسمة و النصيب من الكعكة . فغابت قيم التضحية و المسؤولية الوطنية المتجردة . و غدا البحث عن النصر الشخصي و الانتصار للكيانات و الولاءات الضيقة هو المحرك الرئيس للفعل السياسي العام .
ثانياً : كسب لقمة العيش غير مرتبط كثيراً بالعمل في بلادنا . فيمكن أن يعيش الفرد و أن و يتزوج و يكون أسرة بدون عمل أو جهد و بدون الالتزام بأي مسئوليات مادية تجاه نفسه أو أسرته و رغم ذلك تمضي الحياة بشكل عادي . و هذا الواقع أدى إلى تراجع مفهوم العمل و الكد و المثابرة كقيم عليا تقوم عليها نهضة البلدان و تطورها .
ثالثاً : الوظيفة العامة في كثير من الأحيان غير مرتبطة بالكفاءة و لا حتى العمل أو الانتاج و الإنجاز . و كثيراً ما ينظر إليها بوصفها حق أو نصيب مستحق أو ميزة بل مكافأة . و النتيجة الموضوعية لذلك هي عجز القطاع العام عن أداء وظيفته في القيادة و التطوير و الإنتاج و الإنجاز . بل تصبح الوظيفة العامة حينذاك عبء على الدولة و مواردها .
رابعاً : من السهولة في هذا البلد , و أنت حلٌ بهذا البلد , أن يصبح الفرد أي شيئ و أن يتبوأ أي منصب بدون وجود تناسب موضوعي مع الجهد أو الكفاءة أو المؤهل و الخبرات . فيمكن للفرد أن يصبح مديراً بل وزيراً أو رجل أعمال بارز أو حتى جنرالاً أو مسؤولاً كبيراً من دون أن تتوفر لديه الإمكانيات و المؤهلات المطلوبة لذلك . كل ذلك يجري بحجة الحق أو القسمة و أحياناً كثيرة الولاء . و هذا الأمر يهزم قيم ضرورية يتطلبها بناء الدولة العصرية الحديثة . قيم التنافسية , العدالة في الفرص , الكفاءة و التميز و البقاء للأجدر .
خامساً : يعتمد التطوير الآن كثيراً على نجاح و تطور قطاع الأعمال . ذلك لأن قطاع الأعمال هو المصدر الأساسي للانتاج الوطني , توفير فرص العمل و تحقيق التنمية و الرفاه الاقتصادي . و نجاح قطاع الأعمال يتطلب بيئة تسودها قيم التنافس الحر , بيئة تشريعية و قانونية عادلة إلى جانب عناصر أخرى كثيرة بالتأكيد . غير أن قطاع الأعمال ظل مرتبط بالأنظمة السياسية في بلادنا مما يمثل تحدياً لأخطر قيم التطوير , التنافسية و العدالة . و لذلك تتغير خارطة رجال الأعمال و المؤسسات الاقتصادية كلما تغير النظام السياسي بحيث لا تتوفر لدينا دائماً شركات يمتد عمرها لأكثر من عقدين أو ثلاثة عقود في أفضل الأحوال . و هذا الوضع يهزم كل الأسس التي تقوم عليها التنمية مثل الاستقرار , الاستدامة , التطور و التوسع في خلق فرص العمل و مضاعفة الانتاج .
سادسا : لا زال المجتمع يعلي من شأن الطقوس الاجتماعية . و ما يعرف بالمجاملات و ( المواجبة ) على حساب القيم العصرية مثل الوقت و العمل و الانجاز . و لذلك يكرس معظم الوقت في تلبية الحاجات الاجتماعية مما يضعف الإنتاجية كثيراً. ليس ذلك فحسب و إنما تسخر مقدرات الدولة من موارد و اصول في قضاء الواجبات الاجتماعية مما يشكل هدر تراكمي كبير للموارد العامة و إضاعة وقت ثمين كان يجب إنفاقه في العمل و الإنتاج.. و بحسب الدكتور طارق السويدان فإن إنتاجية الموظف في السودان تعادل خمس دقائق فقط في اليوم فتأمل!!!! .





