آراء ومقالاتسلايدر

بهاء الدين عيسى يكتب: حين أُكِل السلام في السودان

قال أفلاطون: «لا تُرسِل حمامةَ سلامٍ إلى جائع، فإنّه سيأكلها».

لم يكن يتحدث عن الطيور، بل عن الإنسان حين يُحاصر بالجوع والظلم وانعدام الأفق. اليوم، بعد ما يقارب ألف يوم منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، تبدو هذه المقولة وصفًا دقيقًا لما يحدث في السودان.

انقلاب 25 أكتوبر: بداية الصراع الحقيقي

الحرب لم تبدأ بالرصاص، بل بانقلاب 25 أكتوبر 2021، حين أطاح البرهان وحميدتي بحكومة ثورة ديسمبر 2018، وحوّل البلاد من مسار مدني هش إلى دائرة عنف متجددة.

الصراع لم يكن على مستقبل الدولة بقدر ما كان على السيطرة على مفاصل السلطة والموارد.

التحالف الممزق والإسلاميون في الظل

لم يكن البرهان وحميدتي خصمين من البداية، بل شركاء في السيطرة. لكن الخلاف حول قيادة القوات ودمج الدعم السريع، وسعي الإسلاميين لإعادة تموضعهم داخل الجيش، حول الحرب إلى صراع لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ثورة ديسمبر، مستهدفين استعادة نفوذ نظام الإنقاذ السابق.

ألف يوم من الخراب

وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، يعيش السودان أزمة إنسانية حادة:

أكثر من 10.5 ملايين شخص نازح أو لاجئ.

انهيار شبه كامل للقطاع الصحي.

تدمير المدن والبنى التحتية، خصوصًا في الخرطوم وجنوب البلاد.

تصاعد خطاب الكراهية وتفكك النسيج الاجتماعي.

ورغم هذا، يُطالب السودانيون بالتصالح والتسامح وهم بلا مأوى أو أمان.

مراوغة المبادرات الدولية

حاول المجتمع الدولي التوسط عبر الرباعية، مبادرة جدة، المبادرة السعودية الأمريكية، وبيانات الأمم المتحدة.

لكن البرهان استمر في المناورة، يوافق لفظيًا ويرفض عمليًا، بينما يحاول حميدتي تقديم نفسه كبديل مدني زائف.

السودان بقي رهينة جنرالين بلا مشروع دولة، ومجتمع مدني عاجز عن فرض خياراته.

بصيص أمل

الأمل في السودان لن يأتي من البنادق، بل من:

دولة مدنية حقيقية قائمة على العدالة والمؤسسات.

جيش مهني ومحايد.

عدالة انتقالية بلا مساومات.

ضغط دولي فعال لتطبيق أي اتفاق سلام.

السلام لن يولد من الجوع، ولا من فوهة بندقية.

أفلاطون كان محقًا: الجائع لن يسمع عن السلام.

وفي السودان، لم تُؤكَل حمامة السلام وحدها، بل كادت تُؤكَل الدولة نفسها.

أطعِموا الشعب عدلًا قبل أن تطلبوا منه سلامًا، وأعيدوا له دولته قبل أن تعظوه في الأخلاق.

زر الذهاب إلى الأعلى