حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : إيقاع بطيء.. جداً..
كل الشعوب التي ابتلاها الله ببلاء الحرب تخرج منها إلى واقع مختلف تماماً.. تحول النقمة إلى نعمة.. اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا في الحرب العالمية الثانية.. وفي محيطنا الأفريقي دولة رواندا التي تحولت إلى عروس أفريقيا المتوجة.

الفضل للتخطيط الذكي للاستفادة من الدمار والتطلع لواقع جديد مختلف كلياً.. الطموح في بناء دولة جديدة على أنقاض القديمة التي وأدتها الحرب تحت الأطلال..
السودان تعرض لأشرس حرب في التاريخ.. عاصفة من الدمار الشامل علاوة على فيضانات الدماء وركام الأشلاء.. والعاصمة مسحت مسحاً لم تبق فيها بنية تحتية إلا النذر القليل في أم درمان.. المقار الحكومية نسفت جميعها.. ومحولات الكهرباء بل والتوصيلات انتزعت من تحت الأرض، وكبري شمبات ورصيف كبري الحلفايا..
بكل يقين، مثل هذا الحال لا يُتصور أن يُعالج بعمل ديواني روتيني يركب ظهر سلحفاة، وكأنما البلاد لم ترَ حرباً ولا عانت دماراً.. الأمر لا يتعلق بالأشخاص، لا والي الخرطوم ولا عضو مجلس السيادة الفريق أول إبراهيم جابر ولا غيرهم.. بل بالمؤسسات ومنهج التفكير والعمل عموماً..
كتبت منذ الشهور الأولى للحرب كثيراً عن أهمية التخطيط المسبق لـ”اليوم التالي”.. الأعمال المطلوبة بعد الحرب.. وعلى رأسها تنمية العاصمة.. وكررت كثيراً أن منهج العمل لا يجب أن يكون بمبدأ “إعادة الإعمار” لأنها عبارة مضللة للغاية.. تحصر التفكير في اللهث خلف استعادة الأوضاع لما قبل الحرب بأقل قدر ممكن من الطموح لواقع جديد.. وهذا ما يجري الآن.. مع تقديري للفريق أول مهندس استشاري إبراهيم جابر، لكنه يباشر مهاماً روتينية في أفضل الحالات قد تعيد بعض المنشآت والبني التحتية، لكن لوضع أسوأ كثيراً مما كانت عليه قبل الحرب.. والأنكى من ذلك بإيقاع بطيء للغاية يضيع الوقت ويطيل معاناة المواطن العائد من النزوح أو اللجوء أو حتى الذي لم يغادر العاصمة..
سأضرب مثالاً شاخصاً بقوة.. استعادة خدمات الكهرباء تسير بوتيرة بطيئة جداً.. مدينة الخرطوم بعد قرابة العام من تحريرها لا تزال تعاني من غياب الكهرباء إلا في أجزاء صغيرة جداً.. ومثلها مدينة الخرطوم بحري..
وأصبح التطلع لواقع ما قبل 15 أبريل 2023 أمنية غالية.. بدلاً من الحلم بحياة أفضل كثيراً مما طالها الخراب.
كتبت أن المطلوب خطة استراتيجية واضحة طويلة المدى.. فلنقل حتى العام 2030.. تحت عنوان “بناء دولة حديثة” وليس إعادة الإعمار كما تصر الحكومة.. في سياق الخطة الاستراتيجية تصمم خطة إسعافية للمعالجات العاجلة التي تتطلب درجة أعلى في سلم الأولويات..
مثلاً..
إصلاح كبري الحلفايا.. هناك فرق بين أن تبدأ عمليات الصيانة بقصد استعادة وضع الكبري لما كان عليه قبل تحطيمه خلال الحرب.. وأن تتم هذه العمليات في سياق خطة تشييد الطريق الدائري الثاني.
ومثال آخر: سوق سعد قشرة في بحري.. هو أنموذج باهر لما يجب أن تكون عليه العاصمة.. يتحول إلى “مول سعد قشرة” بأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا المعمار.. دون حاجة من الحكومة لإنفاق جنيه واحد.. إذ يتولى الأمر القطاع الخاص.. الذي من الممكن أن يبني مدناً كاملة جديدة في إطار عاصمة حديثة..
للأسف نحن نخسر مرتين.. مرة بالحرب وما دمرته… وثانية بعجزنا عن التخطيط لعاصمة جديدة حديثة..





