آراء ومقالاتسلايدر

د. أمجد إبراهيم سلمان يكتب :رحلة الميتوكوندريون و بروف منتصر الطيب والأصول الإفريقية للبشرية

في نهايات العام 2011 ، جلس أخي الأكبر أيمن أمام الكومبيوتر ، لا ليكتب سيرةً ذاتية ، أو يكمل عملا فيه ، بل ليبني شجرةً للعائلة. استخدم حينها موقعًا إلكترونيًا يُعنى بتتبّع الأنساب وبناء أشجار العائلات رقميًا، يتيح الموقع إدخال أسماء الأشخاص وربطهم زمنيًا وجغرافيًا لبناء شبكة أسرهم. أدخل أيمن أسماء الأسرة الكبيرة والممتدة، ثم أضاف أسرتي الصغيرة: زوجتي وأبنائي، وضمنها بريدي الإلكتروني، وانتهى الأمر… أو هكذا ظننت.

لكن الموقع لم ينتهِ. على مدى سنوات، كانت تصلني رسائل دورية: تحديثات، اقتراحات، وعروض ترويجية، إلى أن جاءني – في نهاية عام 2017 – بريد مختلف تمامًا: عرضٌ مخفّض لإجراء فحص جيني لمعرفة الأصول الوراثية، بقيمة 75 دولارًا فقط. كان الفحص بسيطًا في شكله، عميقًا في دلالاته: مسحتان لعابيتان من جانبي الصدغين داخل الفم، أُرسلتهما بالبريد ، ثم انتظار بضعة أسابيع.

النتيجة… المتوقعة والمربكة معًا
حين وصلت النتيجة، لم تُفاجئني كثيرًا؛ فقد كنت قد اطّلعت سابقًا على عدد من الأبحاث المتعلقة بأصول السودانيين. غير أن فضولي العلمي دفعني لمعرفة النسب الجينية الخاصة بي شخصيًا. لكن النتيجة، رغم توقّعها، قادتني إلى تأمّل أعمق في معنى «الأصل» ذاته.

جاءت خريطتي الجينيةعلى النحو الآتي :
نحو 25.6٪ من الشرق الأوسط
نحو 22.2% من الصومال
نحو 20.9٪ من شمال إفريقيا
نحو 12.7٪ من إثيوبيا
نحو 8.9٪ من قبيلة الماساي في شرق إفريقيا
نحو 5.7٪ من كينيا
نحو 2.9% من نبجيريا
نحو 1.1٪ من اليابان و كوريا.

اللافت أن والديّ ينحدران من شمال السودان، من قريتين متقابلتين على ضفتي النيل: والدي من قرية ديم القراي شرق النيل، ووالدتي من قرية الجبلاب غربه. ويمكنني بسهولة تعداد خمسة أجداد من ناحية الأبوين جميعهم من الرقعة الجغرافية ذاتها. فكيف، إذن، تظهر هذه الامتدادات الوراثية البعيدة؟

محاضرة ثرّة… وسؤال مباشر
في 6 مايو 2021، نظّمت عبر المركز الثقافي السوداني في قطر محاضرة علمية بعنوان: «السودانيون عبر العصور جينيًا» ، قدّمها عبر الأثير أستاذ علم الأمراض بجامعة الخرطوم البروفيسور منتصر الطيب. شرح فيها، بعلم رصين ولغة هادئة، الأصول الإفريقية للبشرية، وكيف تحرّك الإنسان الإفريقي الأول شمالًا وجنوبًا داخل القارة، ثم عبر سيناء إلى بقية أرجاء العالم.

بعد المحاضرة، عرضت عليه نتائج فحصي الجيني، وطرحت سؤالي مباشرة. جاء جوابه مختصرًا، لكنه مقنعا:
«لا يمكن نسب الأصول إلى الفروع».
و أوضح البروفيسور منتصر أن السودان وإفريقيا عمومًا ليسا فرعًا جينيًا، بل مصدر الجينات البشرية. وبالتالي، فإن ظهور نسب جينية في فحص أي شخص إفريقي تُعزى إلى مناطق بعيدة لا يعني هجرة حديثة، بل يعكس أصداءً هجرات قديمة لمسارات بشرية خرجت أصلًا من إفريقيا.

وأضاف أن ما يبدو اليوم «نِسَبًا معكوسة» سببه تأخّر الأفارقة – والسودانيين على وجه الخصوص – في إجراء الفحوصات الجينية، مما سمح إحصائيًا بأن تُنسب الأصول إلى الفروع التي دخلت مبكرًا في قواعد البيانات العالمية. ومع اتساع دائرة الفحص داخل إفريقيا، ستُعاد معايرة الخريطة الجينية العالمية بدقة أكبر.

الميتوكوندريون: الذاكرة الصامتة
الميتوكوندريون هو وحدات دقيقة داخل خلايانا، تُعرف عادة بمحطات توليد الطاقة. غير أن أهميتها العلمية تكمن في احتوائها على حمض نووي خاص بها، يُورَّث من الأم فقط دون اختلاط. لهذا السبب، يستخدمها العلماء خيطًا وراثيًا مستقيمًا لتتبّع السلسلة الأمومية للبشر عبر آلاف السنين. وقد أثبتت الدراسات أن جميع البشر الأحياء اليوم ينحدرون من أم إفريقية واحدة، بقي خطها الجيني، بينما اندثرت خطوط أخرى مع الزمن.

ما تقوله الجينات تؤكده الأحافير. فإفريقيا تحتضن أعلى تنوع جيني بشري على وجه الأرض، وهو دليل بيولوجي مباشر على أصالة هذه الجينات. كما كشفت الاكتشافات الأحفورية في شرق وشمال القارة عن أقدم بقايا معروفة للإنسان العاقل، يعود بعضها إلى نحو 300 ألف سنة.

عندما خرج الإنسان العاقل من إفريقيا قبل نحو 60–70 ألف سنة، كان قد اكتمل تشريحيًا وسلوكيًا. وما حدث لاحقًا من تداخل جيني محدود مع مجموعات بشرية أخرى لم يكن أصلًا جديدًا، بل إضافة تطورية بقي أثرها واختفى اسمها.

أكدت الأبحاث الحديثة – دون استثناء يُذكر – وحدة الأصل البشري. وما كان يُنظر إليه قديمًا بوصفه «تأخرًا» إفريقيا، بات اليوم ميزة تطورية كبرى، إذ يجعل القارة مستودعًا جينيًا بالغ الأهمية للبشرية جمعاء. وأشار البروفيسور منتصر إلى حقيقة لافتة: “أن قبيلة البجا في شرق السودان يحمل أفرادها نحو 25٪ من التنوع في الجينوم البشري” ، وهو دليل علمي على أن تلك المنطقة – رغم جفافها الحالي – كانت في الماضي مهدًا لتعدّد إنساني واسع.

إن نشر هذه الحقائق ليس ترفًا علميًا، بل ضرورة أخلاقية. فحين نُدرك – وجدانياً لا نظريًا – أننا أبناء أصل واحد، يصبح العنف والعنصرية نشازًا علميًا قبل أن يكونا خطيئة إنسانية.

وهكذا، لا تعود رحلة الميتوكوندريون مجرد حكاية عن جين صغير، بل درسًا كبيرًا في معنى الإنسان. أن اختلافنا هو سر بقائنا، وأن اقتتالنا مع بعضنا ليس إلا شكلًا من أشكال الانتحار البطيء.

نياندرتال مع أ.د منتصر الطيب

د. أمجد إبراهيم سلمان

1 يناير 2026

 

أتمنى لبلادنا في عيد استقلالها ال 70 عاما موفقا نشهد فيه انتهاء الحرب و تحقن فيه دماء السودانيين جميعا.

المصادر العلمية لهذا الموضوع:
Cann, R. L., Stoneking, M., & Wilson, A. C. (1987)
Mitochondrial DNA and human evolution
Nature, 325, 31–36.
➤ الدراسة التي أسست مفهوم حواء الميتوكوندرية.
Vigilant, L. et al. (1991)
African populations and the evolution of human mitochondrial DNA
Science, 253, 1503–1507.

Maca-Meyer, N. et al. (2001)
Major genomic mitochondrial lineages delineate early human expansions
American Journal of Human Genetics.
Soares, P. et al. (2009)
Correcting for purifying selection: improved human mitochondrial molecular clock
American Journal of Human Genetics.

Green, R. E. et al. (2010)
A draft sequence of the Neandertal genome
Science, 328(5979).

زر الذهاب إلى الأعلى