آراء ومقالات

الرشيد أمبدي يكتب : أرض الصومال: الجذور التاريخية والانفصال السياسي بعد سقوط سياد بري (تحليل إعلامي واستراتيجي) 

أولاً: الخلفية التاريخية والتركيبة السكانية والثقافية في عهد الصومال الموحد بر

عاشت الصومال الموحدة تحت حكم الرئيس محمد سياد بري (1969–1991) مرحلة من التماسك الظاهري، لكنها كانت تخفي وراءها انقسامات قبلية وإقليمية عميقة. اعتمد النظام على أيديولوجيا “الاشتراكية العلمية” المستوحاة من التجربة السوفيتية، وسعى إلى بناء دولة مركزية قوية تقوم على القضاء على القبلية، إلا أن الواقع الاجتماعي ظل قبلياً بامتياز.

تتكون الصومال من مجموعات عشائرية كبرى أبرزها: دارود، هوية، إسحاق، دير، ودارود الفرعية (مثل المريحان وأوغادين). سكان منطقة “أرض الصومال” (الشمال الغربي) ينتمون في غالبيتهم إلى عشيرة إسحاق، وهي من أكثر العشائر تنظيماً وتعليماً، وتمتاز بتراث تجاري وثقافي متصل بالموانئ التاريخية مثل بربرة وزيلع. خلال فترة سياد بري، شعر أبناء الشمال بالتهميش السياسي والاقتصادي، إذ تمركزت السلطة والثروة في مقديشو والمناطق الجنوبية، بينما عانت مناطق الشمال من ضعف التنمية والبنية التحتية.

ثقافياً، كان سكان أرض الصومال أكثر انفتاحاً على التأثيرات البريطانية نتيجة الاستعمار البريطاني السابق (1884–1960)، في حين خضع الجنوب للاستعمار الإيطالي. هذا التباين الاستعماري خلق اختلافات في الإدارة والتعليم واللغة، حيث تأثر الشمال بالنظام الإداري البريطاني القائم على الانضباط المؤسسي، بينما تأثر الجنوب بالنظام الإيطالي الأكثر بيروقراطية. هذه الفوارق التاريخية أسست لاحقاً لشعور بالتمايز والخصوصية لدى سكان الشمال.

ثانياً: أسباب إعلان الاستقلال عام 1991

1. المبررات المعلنة

في 18 مايو 1991، أعلنت “جمهورية أرض الصومال” استقلالها من طرف واحد في مؤتمر عقد بمدينة بُرعو، عقب انهيار نظام سياد بري. بررت القيادة المحلية هذا الإعلان بما يلي:

الرد على القمع العسكري الذي مارسه نظام سياد بري ضد الشمال، خاصة بعد قصف مدينتي هرجيسا وبربرة في أواخر الثمانينيات، والذي أدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف إلى إثيوبيا.

فشل الدولة المركزية في تحقيق العدالة والمساواة بين الأقاليم.

الرغبة في استعادة السيادة التاريخية التي كانت تتمتع بها “محمية الصومال البريطاني” قبل الوحدة عام 1960.

2. القادة والجهات الفاعلة

قاد إعلان الاستقلال أحمد محمد محمود “سيلانيو” وعبد الرحمن أحمد علي “تُر”، وهما من أبرز قادة “الحركة الوطنية الصومالية” (SNM)، التي تأسست عام 1981 في المنفى بإثيوبيا لمعارضة نظام سياد بري. تولى عبد الرحمن تُر رئاسة الجمهورية الوليدة، وأُعلن دستور مؤقت يؤكد على النظام الديمقراطي التعددي.

3. أثر سقوط سياد بري

كان سقوط نظام سياد بري في يناير 1991 بمثابة انهيار كامل لمؤسسات الدولة الصومالية. تفككت القوات المسلحة، وانهارت الإدارة المركزية، واندلعت الحروب الأهلية بين الفصائل المسلحة في الجنوب. هذا الفراغ السياسي والأمني دفع الشماليين إلى الانفصال كخيار للبقاء والاستقرار، وليس فقط كطموح سياسي.

4. التباينات الأيديولوجية والثقافية

لم تكن هناك فروقات عرقية واضحة بين الشمال والجنوب، إذ يشترك الصوماليون في اللغة والدين والعرق. لكن التباينات الأيديولوجية والثقافية كانت حاسمة:

الشماليون تأثروا بالنظام البريطاني الإداري والتعليم الإنجليزي.

الجنوبيون تأثروا بالنظام الإيطالي وبالنهج الاشتراكي لسياد بري.

الشماليون تبنوا لاحقاً نموذجاً ديمقراطياً تعددياً، بينما غرق الجنوب في صراعات الميليشيات.

5. النشاط الاقتصادي في أرض الصومال آنذاك

اقتصاد الشمال كان يعتمد على:

تجارة الماشية وتصديرها إلى الخليج العربي.

الموانئ البحرية مثل بربرة كمركز تجاري رئيسي.

التحويلات المالية من المغتربين.

الزراعة المحدودة والرعي في المناطق الداخلية.

رغم ضعف البنية التحتية، كانت المنطقة أكثر استقراراً اقتصادياً مقارنة بالجنوب بعد 1991.

ثالثاً: العلاقة بين التدخل الأمريكي والنزعة الاستقلالية

دخلت القوات الأمريكية إلى الصومال في ديسمبر 1992 ضمن عملية “إعادة الأمل” (Operation Restore Hope) تحت مظلة الأمم المتحدة، أي بعد عام من إعلان استقلال أرض الصومال. بالتالي، لم يكن التدخل الأمريكي سبباً مباشراً في النزعة الانفصالية، لكنه ساهم في ترسيخ واقع الانقسام، إذ ركزت العمليات العسكرية والإنسانية على الجنوب (مقديشو وبيدوا)، بينما بقي الشمال مستقراً نسبياً وخارج نطاق الصراع. هذا الاستقرار عزز صورة أرض الصومال ككيان سياسي منفصل وفاعل.

رابعاً: العوامل الخارجية وردود الفعل الدولية

1. العوامل الخارجية

إثيوبيا: دعمت ضمنياً استقلال أرض الصومال، إذ رأت فيه حاجزاً استراتيجياً ضد عودة دولة صومالية قوية قد تطالب بإقليم أوغادين.

بريطانيا: رغم علاقاتها التاريخية، لم تعترف رسمياً بالاستقلال، لكنها حافظت على علاقات دبلوماسية غير رسمية.

المنظمات الدولية: الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي تمسكا بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية، واعتبرا إعلان الاستقلال غير قانوني.

2. ردود الفعل الداخلية والإقليمية

في الداخل الصومالي: رفضت الفصائل الجنوبية الاعتراف بالانفصال، معتبرة أن الوحدة لا تزال قائمة قانونياً.

في إفريقيا: التزمت الدول الإفريقية بمبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، خشية أن يشجع الاعتراف بأرض الصومال حركات انفصالية أخرى.

دولياً: لم تعترف أي دولة رسمياً بأرض الصومال حتى اليوم (2025)، رغم تعامل العديد من الدول معها ككيان شبه مستقل في مجالات الأمن والتجارة.

خامساً: التقييم الاستراتيجي والإعلامي

من منظور استراتيجي، يمثل نموذج أرض الصومال تجربة فريدة في القرن الإفريقي: دولة غير معترف بها رسمياً لكنها مستقرة سياسياً وأمنياً مقارنة بجارتها الصومال. استطاعت بناء مؤسسات ديمقراطية، تنظيم انتخابات دورية، وتطوير نظام إداري فعال. إعلامياً، نجحت في تسويق نفسها كـ”قصة نجاح إفريقية منسية”، مستفيدة من فشل الدولة الأم في الجنوب.

لكن غياب الاعتراف الدولي يحد من قدرتها على جذب الاستثمارات والمساعدات، ويجعلها رهينة للتوازنات الإقليمية بين إثيوبيا، جيبوتي، والصومال الفيدرالية.

المراجع والمصادر

Lewis, I.M. A Modern History of the Somali: Nation and State in the Horn of Africa. Ohio University Press, 2002.

Bradbury, Mark. Becoming Somaliland. James Currey, 2008.

Hoehne, Markus V. Between Somaliland and Puntland: Marginalization, Militarization and Conflicting Political Vision. Rift Valley Institute, 2015.

International Crisis Group. Somaliland: The Strains of Success. Africa Briefing No. 113, 2015.

United Nations Development Programme (UNDP). Somalia Human Development Report, 2022.

The Washington Post, Somaliland’s Quiet Quest for Recognition, December 2023.

BBC Africa, Somaliland: The Unrecognized State That Works, 2024.

African Union Peace and Security Council Reports, 2021–2025.

Human Rights Watch, A Government at Work: Somaliland’s Path to Stability, 2020.

Academic Journal of African Studies, Post-Barre Somalia and the Northern Secession, Vol. 33, 2023.

زر الذهاب إلى الأعلى