بابكر عيسى يكتب : التعذيب … جريمة ضد الإنسانية
أدهشني الصديق عمر مكي الفحيل عندما أهداني نسخة من “الراية الأسبوعية” تبلغ من العمر ٣٥ سنة، ومبعث الدهشة أنني كنت قد سطرت في الزاوية التي كنت أكتبها بصورة راتبة “مع الأحداث” على امتداد أكثر من نصف قرن من الزمان … تلك المقالة جاءت تحت عنوان “التعذيب … جريمة ضد الإنسانية” استعرضت خلالها حالات ونماذج لعناصر بشرية في عدد من العواصم العربية وبعض الحالات في الأرجنتين تحت زعامة الجنرال بيونشيه وفي رومانيا خلال حكم شاوشيسكو.
بدأت تلك المقالة التي نشرت بتاريخ ١٦ فبراير عام ١٩٩٠ بتوصيف للدهاليز العميقة والمظلمة والغرف الضيقة الرطبة والممرات الخانقة … وسط صرخات مرعبة ومخيفة وتوسلات وشتائم ورائحة أشياء تحترق خارج الإنسان وداخله … وتحدثت عن جلسات الإستجواب التي عادة ما تكون بطيئة ومملة وقاتلة، حيث تبدأ بالإستفزاز والشتائم واللعنات وتنتهي بالصفعات والضرب والركل واستخدام الشحنات الكهربائية والسياط والإبر الحادة.
تساءلت: اي جريمة ترتكب في حق الإنسان وفي حق المجتمع وحق الإنسانية … وأي حق يتيح لإنسان أن يمارس التعذيب الجسدي والنفسي ضد إنسان آخر بدعوى اختلاف الرأي أو مخالفة النظام السياسي أو السعي لإيجاد تفسير لجريمة وقعت أو سوف تقع.
قلت منذ ذلك الزمان -وما زلت عند قناعتي- بأنها واهمة تلك الأنظمة الديكتاتورية التي تعتقد أنها من خلال التعذيب الهمجي والوحشي واللإنساني بقادرة على تبديل قناعة إنسان ما أو بتحقيق قبول ما للسلطة الشمولية أو بتأمين أفق زمني لبقائها واستمرارها فوق جماجم الناس … فالعنف الرسمي يولد عنفاً مضاداً قد يكون أشد ضراوة وفتكاً ويضر بالناس وبالمجتمع.
قد لا نحتاج إلى الإبحار بعيداً في الفضاء الإنساني، فبمجرد النظر لما كان يحدث في ليبيا – القذافي، و سوريا – بشار الاسد، و عراق – صدام حسين، و سودان – عمر البشير، و يمن -علي عبدالله صالح، و مغرب – محمد الخامس، و مصر – انور السادات، و جزائر – هوارى بومدين، والعديد من العواصم العربية التي نخجل عن ذكرها في الماضي والحاضر، سنقف على صور شديدة البشاعة لأنظمة مارست جريمة التعذيب وما زالت في حق شعوبها بلا خجل ولا خوف ولا حياء.
قلت في ذلك المقال القديم: أن الآثار الجسدية والمادية للتعذيب يمكن أن تنمحي بمرور الزمن ولكن الآثار والشروخ النفسية والمعنوية ستبقى عالقة في الروح تلاحق الجلادين والضحايا على السواء … تلك الآثار ستفرز مع الوقت رغبة مضادة في الانتقام يكون المجتمع هو ضحيتها في الختام.
التعذيب جريمة ضد الإنسانية تدينها كل القوانين الوضعية والدولية وما يحدث في الكيان الصهيوني ضد المناضلين الفلسطينيين المقاومين تدمغ السلطة اليمنية الحاكمة بالفاشية كما أن الفظائع التي حدثت في معتقلات “جوانتنامو” وفيتنام وأفغانستان والعراق ما زالت تشكل وصمة عار على جبين القوات الأمريكية إضافة إلى ما شاهدته روسيا الإستالينية في عهد الثورة البلشفية … القائمة تطول هنا وهناك ولن تنسى البشرية ما تعرضت له دول أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي من بزاءات ومجازر ولن نبرئ في هذا المقام ما شهدته آسيا ابتداءاً من ميانمار وكمبوديا وكوريا والصين وليس انتهاءاً بالفلبين في عهد فيرناند ماركوس … أعيد وأكرر أنه من الصعب رصد كل الفظاعات التي تعرضت لها البشرية في كل مكان.
من يزرع الريح لن يحصد سوى العاصفة … والأنظمة الديكتاتورية وهي في أغلبها أنظمة عسكرية تتواجد في العالم الثالث … وقد كان لأفريقيا النصيب الأوفر من تلك الممارسات اللاإنسانية بدعوة تأمين النظام حتى تحولت تلك الأوطان إلى معتقلات مفتوحة تمارس خلالها الكثير من الفظائع وتحول الواقع إلى جحيم لا يطاق ما دامت اللافتة المعلقة تقول “كل من ليس معنا فهو ضدنا” … لعل تجربة جنوب أفريقيا جديرة بالتدريس خلال سنوات الفصل العنصري البغيض في المعاهد والجامعات.
تاريخ البشرية مملوء بالكثير من الفظائع التي لا نعرف عنها إلا القليل وأكثر الحقائق بشاعة تدفن مع ضحاياها في قبور جماعية أو مناطق نائية، فأي بشاعة أن يتحول الإنسان الذي كرمه الله وحمله الرسالة إلى مخلوق شائه زائغ العينين ومتعثر الخطى بدعوى حماية الأنظمة الشمولية.
إن قراءة متأنية للتاريخ مطلوبة ومرغوبة … ولو بحثنا في سجلات القادة الأكثر بشاعة ودموية فلن نجد لهم مكاناً يليق بهم سوى مزبلة التاريخ، وستذكرهم شعوبهم بالكثير من الاشمئزاز وستسعى لشطبهم من الذاكرة الوطنية وهي تترحم على أرواح ضحاياهم … والسلطة التي تبنى فوق جماجم الضحايا سلطة لن تدوم ولو تطاول بها العهد.
على البشرية والشعوب الحية وشباب الجامعات أن يشكلوا حائط صد لمنع إرهاب الدولة والتعذيب وان نتضامن جميعاً لفضح محاولات تخريب الإنسان من الداخل وتشويهه لمجرد كونه مختلف فكراً أو معتقد أو توجه … وهذا دور يجب أن تطلع به الأسرة الدولية ممثلة في منظماتها المتخصصة لفضح كل هذه الجرائم كما أن للإعلام المرئي والمسموع والمكتوب دور مماثل يجب أن يطلع به لحماية الإنسان ذلك المقهور في زمن العولمة.






