آراء ومقالاتسلايدر

جعفر عباس يكتب: شاب أو شايب… مش شغلك

للمرة الثالثة والأخيرة: مالك ومال عمري كان 19 أو 99؟ هل خصمت سنوات من عمرك ولا رميت عليك شوية من سنوات عمري؟ هل أنت قاضٍ أو وكيل نيابة وأنا متهم قدامك ولازم تسجل عمري؟ هل أنا في مقابلة وظيفة وطالب منك سيرة ذاتية؟ هل أنت دكتور وبتفتح لي ملف؟ هل جيتك طالب عروس؟

يا بارد… الزولة الطلبت يدها للزواج لي هسع ما عارفة عمري كم، وقبل كم يوم شفتها بتقلب جوازات سفري القديمة، ويظهر إنها لاحظت إن كل جواز فيه تاريخ ميلاد مختلف، وطنطنت وهي فاكرة إني ما سامع: بس الحمد لله إنه ما قال اتكلم في المهد!!

هل أنا جاد عندما أزعم أنني شاب بدرجة أو بأخرى؟ حاشا وكلا، وحتى “مستر بين” يعرف أنني أمزح. وحقيقة الأمر أنني مرتاح جدًا ومتصالح مع سنوات عمري الحقيقية، لا أبكي على فرص ضيّعتها، ولا أتطلع لفرص من نوع ترقية وظيفية أو زيادة راتب أو وظيفة جديدة. فقد عملت ما توجب عليّ أن أعمله تجاه نفسي وأسرتي ومجتمعي، وإن فاتني فعل شيء فلا أسف ولا ندامة… وما فات مات.

لست شابًا بلغة الحساب، ولكنني ولله الحمد طالع ونازل ونشيط، وأعيش حياتي بين من أحب: زوجتي وعيالي. ولي أحفاد وإخوة وأقارب وأصدقاء كثيرون أحبهم ويحبونني. أعيش بذاكرة متخمة بأمور جميلة كنت طرفًا فاعلًا فيها أو شاهدًا عليها، وكنست الذكريات السيئة تحت السجادة في الجزء الخلفي من دماغي.

صرت أكثر هدوءًا وصبرًا، قليل الانفعال والانفجار، واستبدلت نوافير الشباب التي تفجرت في داخلي في العشرينات والثلاثينات بنافورة افتراضية في عقلي تضفي على حياتي ألوانًا زاهية تشرح الصدر. وما زلت أملك القدرة على الضحك بصوت عالٍ؛ فالإنسان لا يتوقف عن الضحك أو اللعب لأنه صار كهلًا، بل يصير كهلًا عندما يتوقف عن الضحك واللعب. أتذكر سقطاتي وزلاتي وأخطائي، فأسامح نفسي وأضحك على الجهل أو السذاجة التي جعلتني أرتكبها.

عشت حياة رائعة، وسعدت بالانتماء إلى عائلة رائعة، وكسبت أصدقاء رائعين. ولست مستعدًا للتضحية بكل ذلك نظير رأس مليء بالشعر الأسود الغزير أو كرش أقل انتفاخًا. والأهم من كل ذلك أنني صرت صديقًا لنفسي، فلا أقسو عليها.

الآن أتمتع بحرية أكبر؛ أجلس أربع ساعات أمام الكمبيوتر أو التلفزيون، وقد يكون ذلك في الثانية ظهرًا أو فجرًا، وقد أنام في ليلة ثلاث ساعات فقط ثم أجلس وأقرأ كتابًا. أنا حر، وأعوض ساعات النوم في الليلة التالية. وعندي ذخيرة مدهشة من الأغنيات منذ فجر الغناء السوداني، تعيد وتحيي ماضي الذكريات؛ أسرح مع وردي، وأحمد المصطفى، وأبو داوود، وعثمان حسين، وكرومة… وبقى ليك بمبي.

أحس الآن بأنني أكثر استقلالية وإيجابية، وحتى إذا ارتكبت خطأ فهذا “من حقي”، لأنني بشر يدرك أنه ليس معصومًا، وأنه لن يعيش إلى الأبد. وقعت ونهضت، وتعثرت واستقمت كثيرًا، ولن أستقيل من الحياة تفاديًا للخطأ.

باختصار: أنا مرتاح جدًا في محطة عمري الحالية، وأعيش كما أشتهي، وأحسب أن الله أكرمني كثيرًا فأعطاني أكثر مما توقعت في مناحٍ عديدة. سعيد لأنني عشت سنوات خصبة إنسانًا بسيطًا بين البسطاء، بقلب مفتوح رحب يتسع للملايين من بني وبنات وطني. وحلم حياتي أن أعيش حتى أرى السودان وقد عاد وطنًا آمنًا، معافى من العلل السياسية والاقتصادية.

زر الذهاب إلى الأعلى