آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : خطة ولاية الخرطوم للمواصلات حسنة ,, و لكن 

Rushash72@gmail.com

قبل أسابيع أعلنت ولاية الخرطوم أنها بصدد استيراد حافلات ركاب لتشغيلها في خطوط المواصلات بالعاصمة بمقابل يغطي تكلفة التشغيل فقط . و الواضح أن حكومة الولاية قررت اتخاذ هذه الخطوة بهدف المساهمة في تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين الذين أنهكتهم الحرب طويلاً و فقدوا فيها الكثير . و هذا موقف يستحق الإشادة و الاستحسان . بيد ان النظر إلى الموضوع من زوايا أخرى يبرز وجوه مهمة كان يجب أخذها في الحسبان و من ذلك :

أولاً : لم تضع الخطة اعتباراً لمصير الآلاف من المواطنين الذين يملكون حافلات تعمل في خطوط مواصلات العاصمة و عشرات الآلاف من العاملين في قطاع النقل الأهلي من سائقين , مساعدي سائقين , منظمي حركة النقل في المحطات . عشرات الآلاف عادوا إلى مهنتهم بعد إنهاك و حرمان و خسران كبير جراء الحرب ليجدوا أنفسهم أمام تحديات جسيمة .

فخلال الحرب في الخرطوم فقد غالب أهل الحرفة سياراتهم و وظائفهم . و حتى الذين لم يفقدوا حافلاتهم عادوا ليجدوا أنفسهم أمام تحديات كبيرة و واقع في غاية التعقيد . اصطدموا بغلاء أسعار قطع الغيار , ارتفاع تكلفة الصيانة و إعادة الترخيص و التأمين .

ثانياً : علاوة على ما سبق سرده من تحديات , يواجه قطاع النقل أزمة ضعف حركة الركاب . و يعود ذلك لعلتين : النقص الحاد في عدد مستخدمي وسائل النقل بسبب تأخر عودة أعداد كبيرة من سكان العاصمة إلى ديارهم علاوة على الشلل الذي لا يزال يضرب قلب الخرطوم و عدد من المواقع التي كانت تضج بالحركة و الرواد و تنعش حركة قطاع النقل . و الآن بات من المعتاد أن ترى عشرات الحافلات المتهالكة تقف في صفوف ممتدة لساعات طويلة في المواقف الرئيسة و لا تجد ركاب . و هذا يبين أن العرض أكبر من الطلب . و هذه نقطة جوهرية لمعرفة أصل الأزمة . فالأزمة هي أزمة قطاع اقتصادي كبير و ليست أزمة ارتفاع تعرفة المواصلات . فهذا القطاع الحيوي يعاني كساد و ركود كبيرين . و بالتالي فإن جلب الحكومة لحافلات ركاب إضافية يزيد الطين بلة و الأزمة تعقيد .

ثالثاً : سيارات النقل العام الأهلية كانت ترفد الخزينة العامة يومياً بأموال طائلة من خلال الرسوم و تسويات المخالفات المرورية . و الحافلات الحكومية التي تعتزم الدولة تشغيلها بالتأكيد سيكون لديها ألف علة تمنعها من دفع الأموال للحكومة يأي صيغة . فكون أنها مركبات حكومية تحمل لوحات صفراء هذا يمنحها حصانة مبدئية ضد الدفع . و كونها تعمل بمبدأ عدم الربحية تلك حجة أخرى يمكن استخدامها للتهرب من دفع الرسوم و الغرامات مثلما كانت تفعل الشركات الخيرية فيما مضى . و لذلك فإن أي خطة تعمل على دعم قطاع النقل الأهلي بدلاً عن الإنخراط الرسمي المباشر في قطاع النقل العام , تعتبر استثمار غير مباشر تجني الدولة ثماره من خلال استمرار تدفق أموال الرسوم و التسويات المرورية . و هو استثمار استراتيجي كذلك لجهة أنه يدعم قطاع الخدمات مما يزيد الناتج المحلي و يوفر فرص عمل .

رابعاً : هناك عدة خطط بديلة لدعم قطاع النقل الأهلي منها تقديم قروض من غير فوائد أو قروض ميسرة تسدد على فترات طويلة تخصص لأصحاب مركبات النقل العام التي تحتاج تأهيل أو مساعدة من فقدوا حافلاتهم خلال الحرب . و يمكن دعمهم عن طريق تخصيص حصص وقود أسبوعية بأسعار تفضيلية مع الالتزام بتعريفة معقولة تساعد في التخفيف عن المواطنين و بالتالي أداء المهمة التي كانت ستؤديها الحافلات الحكومية بطريق غير مباشر .

خامساً : خطة استيراد الحكومة لحافلات لتعمل بتكلفة التشغيل فقط قد تبدو سهلة نظرياً . غير أن الأمر سيكون معقداً على الصعيد العملي . فهذه الخطة خطوة عاطفية أكثر منها عملية . و في تقديري أنها لم تؤسس على هدى دراسة جدوى اقتصادية صارمة . و بالتالي سيكون شاء الحافلات و تشغيلها أمر بسيط طالما أن حكومة الولاية لديها الموارد الكافية للقيام بذلك الأمر . بيد أنه بعد أن يستمر التشغيل لفترة من الوقت ستزداد المصروفات التشغيلية تدريجياً. و إذا التزمت الإدارة بمبدأ عدم الربحية سيكون من الصعوبة بمكان الاستمرار في أداء الخدمة . و سيكون من الصعب الصرف من الخزينة العامة على خدمة عديمة الجدوى الاقتصادية . يعدها ستبدأ العربات في الخروج التدريجي عن الخدمة . و بعد حين من الدهر ستجد الحافلات طريقها إلى المقبرة التي قبرت فيها حافلات شركة مواصلات ولاية الخرطوم من قبل .

لقد خرجت الدولة من قطاع النقل العام بولاية الخرطوم منذ أكثر من عقدين من الزمان . منذ حافلات ( البيكاسو و أبو رجيلة ) التي كانت تملكها المؤسسة العسكرية حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي . و من بعدها جاءت حافلات ( التاتا الهندية ) التي كانت تشغلها شركة مواصلات ولاية الخرطوم الحكومية حتى أواخر التسعينيات . و من ذلك الحين تولى القطاع الخاص مسؤولية النقل و المواصلات بنسبة مئة بالمئة بولاية الخرطوم . و المثير في الأمر أن القطاع الخاص لم ينتظم في أداء هذه الخدمة عبر مؤسسات أو شركات ولا حتى جمعيات تعاونية . و إنما انخرط الأفراد في هذا القطاع كلَ حسب امكانياته و مزاجه . ذلك الوضع أفرز فوضى غير معقولة عزز وطأتها غياب النقابات و الأجسام المنظمة للمهنة .

لقد كتبنا منذ سنوات أنه بالإمكان تأسيس شراكة ذكية بين القطاعين العام و الخاص في تأسيس شركات مساهمة عامة تؤدي خدمة النقل العام حتى على مستوى الرحلات السفرية بين المدن و الولايات . فالمغتربون و المعاشيون الذين ينفقون أموالهم في شراء حافلات نقل خاصة تؤرقهم إدارتها و تنتهي تجاربهم بفقدان مدخراتهم , يمكنهم شراء أسهم في شركات المساهمة العامة و إراحة أنفسهم من الهموم و المتاعب اليومية . يصرفون أرباحهم بشكل دوري و الاستفادة من أوقاتهم في أمور أخرى . و أظن أن الوقت الآن ملائم لإنشاء تلك الشركات و وضع هذا الأمر ضمن خطة إعادة الإعمار للخروج من دائرة الفوضى و العشوئية التي ظلت تضرب قطاع خدمة النقل لسنوات طويلة .

زر الذهاب إلى الأعلى