خالد سعد يكتب : السودان في استراتيجية ترمب لافريقيا
منذ وصول دونالد ترمب إلى منصب رئيس الولايات المتحدة للمرة الثانية، رجحت تحليلات أن يكون السودان خارج أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، باعتباره بلدا افريقيا موبوءا بالحروب والنزاعات، كما استند هذا التصور إلى تجربة ترمب في ولايته الأولى، التي اتسمت بتجاهل واضح لافريقيا، ونظرة سلبية بوصفها عبئا ثقيلا على السياسة الأمريكية الخارجية، بل كرر ترمب -بغطرسته المعهودة- وصف (مقززة) لدول افريقيا وخارجها.
وعززت هذه القراءة المبسطة، الإجراءات المبكرة التي اتخذتها إدارة ترمب مع عودته إلى البيت الأبيض، وعلى رأسها تخفيض وتحجيم المساعدات الخارجية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهو ما فسره البعض، انسحابا أمريكيا من القارة الافريقية.
غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لم تكن كافية لإطلاق أحكام قاطعة بشأن موقع السودان في سياسة ترمب الخارجية خلال عهده الثاني، إذ سرعان ما عاد السودان إلى دائرة الاهتمام الأمريكي، وظهر جليا في “المبادرة الرباعية” بشأن الحرب في السودان، والدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في هذا السياق، إضافة إلى المقال اللافت الذي كتبه الفريق أول عبد الفتاح البرهان في صحيفة وول ستريت جورنال، موجها رسائل سياسية واقتصادية مباشرة إلى صانع القرار الأمريكي.
وفي حقيقة الأمر، لم يكن السودان غائبا عن الحسابات الأمريكية، وإنما ظل حاضرا في العقل الاستراتيجي الأمريكي ضمن رؤى متباينة نحو افريقيا، لكن في ولاية ترمب الثانية تبين أكثر وضوحا في الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي الصادرة رسميا مطلع هذا الشهر[1]، والتي خصصت حيزا معتبرا للقارة الأفريقية، بوصفها ساحة مركزية في التنافس الدولي، حيث يقع السودان في قلبها من حيث الموقع والموارد والدور المحتمل، وهو ما سوف نناقشه تاليا من زاوية الموارد وتحديدا ما تصنفها امريكا بـ”المعادن الحيوية”.
أضحى واضحا في الخطاب العالمي السائد، أن التحولات الجديدة في عهد ترمب تركز بالاساس على التنافس الاقتصادي وتحديدا ما يعرف بـ”دبلوماسية الصفقات التجارية” كأولوية على القيم التي كانت مطروحة على الأقل في الخطاب الامريكي مثل الاستجابة الإنسانية للأزمات، والديموقراطية التي يتحمس لنشرها عادة الحزب الديموقراطي.
وفي هذا السياق، ركزت استراتيجية ترمب الأمنية على مسألة مصالح بلاده في العالم، وفي مقدمتها موضوع المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد، بأعتبارها السياسة الأكثر أهمية للريادة والهيمنة على العالم.
ورغم الخطاب السياسي الذي ركز على “تقليص الأعباء الخارجية”، فإن اطروحة ترمب لافريقيا لم تكن انعزالية، واستمرت براغماتية وتنافسية للنفوذ الصيني في القارة الافريقية، وعلى صدارة أولوياتها الخارجية تأمين المعادن الحيوية الضرورية للاقتصاد الأمريكي، وبالطبع تقليل الاعتماد على سلاسل إمداد تسيطر عليها الصين أو دول غير متعاونة مع الولايات المتحدة في افريقيا.
وتؤكد الوثائق الصادرة في عهد ترمب خصوصا المتعلقة بالأمن القومي والتصنيع المتقدم[2] أن السيطرة على المعادن الحيوية هي قضية أمن قومي أمريكي درجة أولى، بأعتبارها مجالا اقتصادي وسياسي في آن، لذلك تصنف الولايات المتحدة مجموعة من المعادن بوصفها حيوية لأنها تدخل في الصناعات العسكرية، وتستخدم في الطاقة المتجددة، وتعد أساسية في التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ومن أبرز هذه المعادن (الكروم، المنغنيز، النحاس).
تأخذ الولايات المتحدة مسألة المعادن الحيوية بجدية قصوى، فقد أنشأت مجلسا وطنيا لهيمنة الطاقة، ووضعت المعادن الحيوية في صدارة استراتيجيتها للطاقة، بما في ذلك توسيع إنتاج النفط والغاز ومفاعلات الجيل القادم من الطاقة النووية وكل ذلك يعتمد بشكل مباشر على على سلاسل إمداد معدنية آمنة ومتنوعة، والنفوذ الجيوسياسي في المشهد العالمي المتغير.
ووضعت الولايات المتحدة ملف المعادن الحيوية أولوية للأمن القومي، من أجل دعم إنتاج تقنيات الدفاع المتقدمة، بما في ذلك الدبابات والصواريخ والطائرات المقاتلة والسفن الحربية وأنظمة الرادار، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية.[2]
وهنا تبرز مسألة التنافسية، إذ تسيطر الصين على نسب كبيرة من سلاسل التوريد العالمية لهذه المعادن، سواء عبر الاستثمار المباشر في المناجم أو التحكم في عمليات المعالجة والتكرير، فبينما شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الأمريكي في افريقيا ارتفاعا طفيفا إلى 5.28 مليار دولار في عام 2023، متجاوزة الصين (3.37 مليار دولار) لأول مرة منذ أكثر من عقد، تحولت هذه التدفقات إلى سلبية عند -2.0 مليار دولار في عام 2024، في حين حافظت الصين على تدفق إيجابي بلغ 3.4 مليار دولار، ومنذ عام 2009، تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لافريقيا، وبلغ حجم تجارتها مع القارة 296 مليار دولار في عام 2024، أي أكثر من ضعف حجم التجارة الأمريكية البالغ 104.9 مليار دولار.[3]
ووفق تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، يمتلك السودان احتياطيات مؤكدة من الكروم (معدن استراتيجي لصناعة الفولاذ العسكري)، إلى جانب وجود خامات منغنيز ونحاس ذات إمكانات مستقبلية، ومعادن صناعية داعمة تدخل في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، لكن التقرير نفسه يشير إلى أن معظم هذه المعادن غير مستغلة صناعيا، وأن التركيز السوداني ظل منحازا للذهب، اضافة لغياب استراتيجية وطنية للمعادن غير الذهبية، وهو ما ما يجعل السودان من منظور أمريكي (ترمبي) فرصة جيواقتصادية أكثر منه شريكا تقليديا مثل دول الخليج النفطية.
لكن الأهم في هذا الأمر هو المسألة التجارية التي يملك فيها السودان ثلاث ميزات هي موارد معدنية حيوية غير مستغلة صينيا بالكامل، موقع جغرافي يربط أفريقيا والبحر الأحمر والشرق الأوسط، وهو كذلك دولة تكافح للخروج من عزلة غربية، والانخراط في النظام المالي العالمي، ما يجعل شروط الشراكة قابلة لإعادة التفاوض من الصفر، وكل ذلك ينسجم مع اطروحة ترمب لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي بشكل عام وافريقيا بشكل خاص.
وفي هذا السياق، ليس مفاجئا مقال البرهان المنشور في وول ستريت جورنال في نوفمبر الماضي، حيث طرح فكرة شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة، ركز فيها على إعادة الإعمارـ والاستثمار، والانفتاح على الغرب، إذ خصص الخطاب بالأساس إلى صانع القرار الأمريكي، وضمنيا قدم عرضا لموارد السودان الاستراتيجية دون تسميتها صراحة بالمعادن الحيوية والموقع الجغرافي والعمق الأفريقي، لكن المقال يفهم وكأنه “رسالة استعداد” للاندماج في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لافريقيا، كما يعتبر المقال بصيغة أخرى ورقة تفاوض سياسي.
وطرح مجالات “المعادن النادرة” كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة ليس جديدا، فقد نبهت ورقة سياسات أعدها مبارك اردول السياسي المعروف والمدير السابق لشركة الموارد المعدنية[4]، إلى ان “إنهاء الحرب في السودان لا يجب أن يكون هدفا سياسيا فحسب، بل استراتيجية اقتصادية وطنية تعيد للسودان دوره في الاقتصاد العالمي”، وذكرت الورقة: “مع تراجع هيمنة البترودولار وصعود اقتصاد المعادن، تتاح فرصة تاريخية للسودان لأن يصبح جزءا من النظام الاقتصادي العالمي الجديد”.[4]
وحتى اللحظة لم تكتمل للسودان خارطة معدنية معلنة، بيد أن كافة الدراسات الوطنية والأجنبية تؤكد على امتلاك السودان لكميات معتبرة من المعادن التي تصنفها الولايات المتحدة الامريكية بـ”الحيوية”.
ومع أن التحول الاقتصادي للاستراتيجية يتماشى مع أولويات السودان حاليا في تعزيز التحالفات الدولية واكتساب المشروعية الخارجية لانهاء الحرب واعادة الاعمار والخروج من العزلة، إلا أن النهج الحالي المجرد من التبعات والذي يركز أساسا على الصناعات الاستخراجية، لا يمكنه تحقيق أهداف استراتيجية ترمب ولا شراكة مستديمة، في ظل حالة الهشاشة التي تعيشها معظم دول افريقيا ومن بينها السودان.
إن الاستراتيجية الامريكية للأمن والتوجهات الاقتصادية العالمية تظهر أن السودان لا يمكن تجاهله في لعبة المعادن الحيوية الأفريقية، لكنه بحاجة إلى استراتيجيات وطنية قوية تضمنتطوير الصناعة المحلية، والقدرة على حماية مصالح طويلة المدى، ومفاوضات متوازنة مع الشركاء الدوليين.
وهذا المسار محاط بالكثير من المخاطر مثل أن تتحول الشراكة إلى مجرد استخراج خامات، وستتحول إلى تجارة تصدير خامات فقط، وهي بالطبع ضعيفة في القيمة المضافة، والأخطر كونها تكرس تبعية اقتصادية يصعب الفكاك منها في المستقبل.
ومهما بلغت جاذبية شراكة “المعادن الحيوية”، تظل العقبات قائمة في ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة للتنمية في السودان، وهي غيبة لا تتعلق فقط بتعثر التخطيط الاقتصادي، وإنما بغياب تصور شامل لطبيعة الدولة نفسها، ودورها في إدارة الموارد وتوزيع عوائدها.
ولعل التجارب الأفريقية تظهر أن الدول التي دخلت شراكات كبرى في قطاعات المعادن دون رؤية تنموية متكاملة، تحولت مواردها إلى وقود لصراعات جديدة بدل أن تكون مدخلا لانهاء الحروب والنزاعات.
ويزداد هذا الخطر في حالة بلادنا بسبب غياب التوافق الوطني حول أولويات التنمية، وهو ما يجعل أي شراكة خارجية خصوصا في الموارد الحيوية مرشحة لإعادة إنتاج النزاعات بدل إخمادها، عبر تغذية اقتصاد الحرب، وتكريس شبكات مصالح ضيقة، وتعميق الشعور بالتهميش الجهوي والاجتماعي.
وبدون إطار وطني متفق عليه لإدارة الموارد المعدنية، وسياسات تربط الاستخراج بالتصنيع المحلي والقيمة المضافة، ستظل مثل هذه الشراكات أقرب إلى صفقات قصيرة الأجل، تخدم أهداف الاستراتيجيات الخارجية، لكنها لا تؤسس لتنمية مستدامة.
وتأسيسا على كل ذلك، فإن أهمية السودان في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة هي فرصة لأطلاق مشروع وطني شامل للتنمية.
مصادر المقال:
1/ كتيب استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة فيصل الحمد، نوفمبر 2025م.
2/ “التصنيع المتقدم” تشمل عدة وثائق رسمية صادرة من البيت الأبيض ووزارات امريكية مختلفة، وتهدف لتوطين الصناعة داخل الولايات المتحدة، وربط الأمن القومي بالتصنيع والموارد والتكنولوجيا حسب ما يفيد موقع البيت الابيض ومنصات حكومية على الانترنت.
3/ لاندري سيغني، العلاقات الامريكية الافريقية وسط صعود الصين، تحليل ضمن تقرير لمعهد بروكينغز، 8 ديسمبر 2025م.
4/ مبارك أردول، من الصراع إلى المورد: المعادن النادرة، الاقتصاد السياسي وسيناريو نهاية الحرب في السودان، ورقة سياسات، بورتسودان، ١٩ اكتوبر ٢٠٢٥م.
# الصورة منقولة من منصة عدسة على فيسبوك.






