أمجد إبراهيم سلمان يكتب : انتخابات رابطة الأطباء السودانيين في قطر: إنجازات مبهرة وإحصائيات عضوية مقلقة
في ختام دورة رابطة الأطباء السودانيين في قطر للفترة 2023 – 2025، نقف أمام تجربة ثرية ومركبة، تجمع بين إنجازات نوعية غير مسبوقة من جهة، ومؤشرات مقلقة تتعلق بالعضوية والمشاركة من جهة أخرى؛ وهي مفارقة تستحق الوقوف عندها بصدق ومسؤولية، بعيداً عن المجاملة، وقريباً من روح التطوير المؤسسي.
*أولاً:* دورة استثنائية بالمعايير العملية
لا يختلف اثنان من منسوبي الرابطة – ولا من المتابعين للشأن الطبي السوداني في قطر – على أن هذه الدورة كانت من أكثر الدورات نشاطاً وتأثيراً منذ تأسيس الرابطة قبل 20 عاماً.
فقد شهدت:
تنظيم سبعة أيام صحية متميزة إستهدفت الجالية السودانية في قطر من حيث التوعية والفحص والاستشارات الطبية، وهو جهد تطوعي ضخم تطلب تنسيقاً مهنياً وتنظيمياً عالياً.
إطلاق ودعم مشاريع طوعية وتنموية كبرى داخل السودان في توقيت بالغ الحساسية، عكست وعياً عميقاً بدور الطبيب السوداني في المهجر، ليس فقط كممارس مهني، بل كفاعل وطني وإنساني.
ويُضاف إلى ذلك الإنجاز اللافت للمكتب الأكاديمي بالرابطة، الذي قدّم خلال هذه الدورة نموذجاً متقدماً للعمل العلمي المنظم، حيث نجح في تنظيم مؤتمرين علميين طبيين رفيعي المستوى، شاركت فيهما قامات طبية مرموقة على أعلى المستويات، وشكّلا إضافة حقيقية للمشهد العلمي والطبي للجالية السودانية في قطر.
كما نظم المكتب الأكاديمي عدد اثنين من سمبوزيومات الرعاية الصحية الأولية، عكست وعياً بأهمية هذا القطاع المحوري في الأنظمة الصحية الحديثة، وربطت بين الممارسة اليومية والمعرفة المبنية على الدليل.
وإلى جانب ذلك، أُقيمت العديد من الورش التدريبية المعترف بها من وزارة الصحة القطرية كتدريب طبي معتمد، ما منح أنشطة الرابطة بعداً مهنياً رسمياً، ورسّخ مكانتها كشريك جاد في التطوير المهني المستمر.
ولم يقتصر دور الرابطة الأكاديمي على النشاط العلمي داخل قاعات المؤتمرات، بل امتد ليشمل الإسهام في تدريب وتخريج 51 طالب طب خلال السنتين الماضيتين من طلاب عدد من الجامعات المتأثرين بالنزوح بسبب الحرب، في مبادرة تجمع بين الواجب المهني والالتزام الإنساني، وتؤكد أن الرابطة لم تغب عن مسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة من الكوادر الطبية السودانية.
ويُستكمل هذا المشهد الإيجابي بـ انضباط مالي واضح وفق ما ورد في التقرير المالي، يعكس حرص القيادة على الشفافية، وحسن إدارة الموارد، وربط الصرف بالأنشطة الفعلية ذات الأثر.
هذه الإنجازات لا يمكن التقليل من شأنها، وهي تُحسب للدورة ولمجلسها التنفيذي وللجان العاملة التي بذلت جهداً صامتاً في كثير من الأحيان.
*ثانياً: مفارقة الحضور… الأرقام التي لا تجامل*
رغم اكتمال النصاب القانوني، فإن حضور المؤتمر الانتخابي اقتصر على 51 طبيباً فقط.
وهنا تتوقف الكلمات قليلاً.
فنحن نتحدث عن:
نحو 582 طبيباً سودانياً يعملون في قطر. قرابة 60 طبيباً فقط مسجلين في الرابطة. وأقل من ذلك حضروا فعلياً المؤتمر.
هذه الأرقام – مهما حاولنا تبريرها – تدق ناقوس الخطر، لا على شرعية الرابطة، ولكن على علاقتها بقاعدتها المهنية، وعلى مستوى الإحساس بالانتماء، والتمثيل، والجدوى لدى شريحة واسعة من الأطباء.
*ثالثاً: أين الخلل؟* سؤال لا بد منه
الإنجازات الكبيرة تطرح سؤالاً مشروعاً:
لماذا لم تنعكس هذه النجاحات على توسيع قاعدة العضوية والمشاركة؟
هل المشكلة في:
حالة الحرب الحالية و التي خلقت إحساسا كبيرا بالإحباط لدي الجميع؟
هل هناك ضعف في التواصل المؤسسي؟
أم لعله غياب خطاب جامع يستوعب التنوع المهني والفكري بين الأطباء؟
انشغال الأطباء بضغوط العمل والحياة؟
أم شعور بعضهم بأن الرابطة لا تمثلهم أو لا تضيف لهم؟
أم أنها أمراض النخبة السودانية المزمنة في التقاعس عن المسؤوليات الاجتماعية الكبرى و تركها على عاتق قلة نستهلكها بلا رأفة؟
قد تكون الإجابة خليطاً من كل ذلك، لكن المؤكد أن النجاح في الأنشطة لا يكفي وحده، إن لم يصاحبه نجاح موازٍ في بناء الثقة وتعزيز الشعور بالملكية الجماعية للرابطة.
*رابعاً:* الانتخابات… فرصة للمراجعة لا للاحتفال فقط
الانتخابات ليست نهاية دورة، بل بداية وعي جديد. وعي بأن المرحلة القادمة تتطلب:
استراتيجية واضحة لزيادة العضوية وتفعيلها.
إشراك الأجيال الشابة من الأطباء، لا فقط في التنفيذ، بل في صناعة القرار.
إعادة تعريف قيمة الانتماء للرابطة مهنياً ووطنياً.
الانتقال من منطق «القلة الفاعلة» إلى «القاعدة الواسعة المشاركة».
خلاصة القول
نعم، كانت دورة 2023 – 2025 دورة إنجاز بامتياز. ونعم، الرابطة أثبتت قدرتها على الفعل والتنظيم والتأثير.
لكن الأرقام لا تكذب، وهي تقول بوضوح:
إن رابطة تنجز كثيراً بعدد قليل، قادرة على أن تنجز أضعاف ذلك إذا اتسعت دائرتها.
وإذا كانت إحصائيات الحضور والعضوية قد بدت مقلقة عند النظر إليها مجردة، فإن قراءتها في سياق حجم ما أُنجز فعلياً تكشف وجهاً آخر أكثر عمقاً ودلالة. فقد برهنت هذه التجربة أن العضوية القليلة عدداً، متى ما كانت واعية وفاعلة وصادقة العزم، قادرة على إحداث أثر نوعي ومعنوي يفوق كثيراً حدودها العددية. غير أن هذا النجاح – على أهميته – لا ينبغي أن يُتخذ مبرراً للاكتفاء بالقلة، بل حافزاً لتوسيع الدائرة وبناء مشاركة أوسع.
ومن هنا، فإن الرابطة وهي تدخل مرحلة انتخابية جديدة، توجّه نداءً عملياً ومسؤولاً لكل طبيب سوداني يعمل في قطر: أن يكون جزءاً من هذا العمل المؤسسي، بالتسجيل والانضمام والمشاركة، ليس من باب المجاملة أو الوجاهة الاجتماعية ، بل إيماناً بأن تجميع الطاقات المهنية تحت مظلة واحدة هو الطريق الأجدى لتعظيم الأثر، وضمان الاستدامة، وتحويل الجهد الفردي إلى قوة جماعية منظمة.
إن واقع السودان اليوم، بما يحمله من حروب وانقسامات واستنزاف مستمر للإنسان والأمل، يؤكد أن لا مخرج حقيقياً لبلادنا و أهلها إلا بتعاضد الخيّرين من أبناء السودان البررة في كل مجال ، وفي مقدمتهم المهنيون المتعلمون القادرون على تحويل المعرفة إلى فعل، والنوايا الحسنة إلى مشاريع مؤثرة. وبهذا المعنى، فإن رابطة الأطباء السودانيين في قطر ليست مجرد كيان نقابي أو إطار اجتماعي، بل فرصة حقيقية للتأثير الإيجابي في مآلات الأمور مع رصفائهم من المهنيين ، متى ما آمن الأطباء و المهنيون بأن قوتهم ليست في تفرقهم، بل في اجتماعهم، وأن الإنجاز الذي تحقق بالقلة منهم يمكن أن يتضاعف أضعافاً إذا إنخرط الآخرين في هذا العمل. عندها فقط يمكننا أن نثق في مستقبل مشرق لهذه البلاد التي نُحِب.
بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
18 ديسمبر 2025
الذكرى السادسة لثورة ديسمبر المجيدة






