آراء ومقالات

لقمان أحمد يكتب: أرجو أن تتحمل وتتحلى برباطة جأش

عند دخولك معسكر اللاجئين السودانيين في معسكر كرياندنقو بمدينة بيالي اليوغندية، تنتقل مباشرة من مواقع المشاهدة والملاحظة والقراءة إلى موقع المعايشة؛ أي أنك تتحول إلى لاجئ. فالناس هناك هم أهلك من كل أرجاء السودان، ثم فجأة تلتقي، أو يلتقيك، أحد أفراد الأسرة أو مجموعة منهم، ويتحوّل المعسكر كله إلى أسرة واحدة هي أسرتك. وهنا تجد من يقول لك: «أرجو أن تتحمل وتتحلى برباطة جأش». نعم، فالوضع هناك لا يسعف إلا بالدموع.

قرابة تسعين ألف سوداني يعيشون فيما يشبه الأكواخ؛ بعضها مبني من الحصير، وأخرى تقوم على أعواد بالية تغطيها «مشمعات» لا تقوى هي الأخرى على البقاء بضعة أشهر. قد يفلح البعض في تغييرها، ويعجز أغلبهم، وهكذا يستمر الحال إلى أمد يجهله الناس هنا في كرياندنقو، ونجهله نحن، لأن الحرب مستمرة، وجميعنا لا نعلم متى ستنتهي. ويبقى مصير الناس معلقًا بين الفناء هنا، أو ربما يتبقى من يستطيع يومًا ما أن يتنازع بين خيارات العودة إلى أرض عجز بنوها عن تحقيق استقرار يضمن لهم حياة كريمة داخل ربوعها الممتدة.

تنتشر الخيام البالية متناثرة، محاطة بالأعشاب داخل مزارع هي طبيعة المعسكر، وهناك يتعايش الناس مجبرين مع الثعابين والحشرات والبعوض وكل كائنات الأحراش؛ فالمكان يتساوى فيه الناس والحيوانات والحشرات.

عليك هنا أن توطن نفسك على وجبة واحدة فقط في اليوم من غالب قوت أهل البلد. كثيرون قالوا لي: «لم نأكل لحمًا لأكثر من ثلاثة أشهر». وهناك أطفال يعاني أغلبهم سوء تغذية. جلست إلى مجموعة منهم لتناول وجبة أعددناها من اللحم والأرز والفاكهة، فتذكرت ما قيل لي قبلاً: «عليك أن تتحمل وتتحلى برباطة جأش». لم أستطع أن أتحمل، وتساءلت: ما الذي يمنع إتاحة ثلاث وجبات في اليوم لهؤلاء الأطفال؟ لم أجد إجابة، ولم أتحمل، ولا تحليت برباطة جأش.

اللاجئون السودانيون هنا مادة لرواية قصص إنسانية لا متناهية. قضيت يومي الأول بينهم أغالب الصدمة حتى أستطيع نقل مشاهد من مآسيهم الإنسانية، والمساعدة بما نستطيع، وأتمنى أن يكون هذا جهدًا مستمرًا.

زر الذهاب إلى الأعلى