آراء ومقالات

سيف الدولة حمدناالله يكتب : محاكمة كوشيب في ميزان العدالة !!

إذا كان هناك وجه للتهليل لما إنتهت إليه محاكمة السفاح “كوشيب” بإدانته وسجنه بأيدي (قضاة أجانب) عن جرائم وقعت داخل الأراضي السودانية، أن هذه المحاكمة قطعت لسان كل الذين ظلوا يرددون بلا إنقطاع بأن القضاء وأجهزة العدالة السودانية قادرة ومقتدرة وراغبة في محاكمة جنس الجرائم التي إرتكبها “كوشيب”.

لا أحد يُجادل في حقيقة أن السفاح “كوشيب” لم يكن وحده وراء إزهاق الثلاثمائة ألف روح بحسب تقديرات المخلوع البشير خلال حرب دارفور في فترة حكم الإنقاذ، أو أنه الوحيد الذي إغتصب مئات الفتيات والنساء خلال تلك الفترة، فهناك مئات السفاحين الذين شاركوا “كوشيب” في تلك الجرائم ولم تطالهم يد العدالة السودانية برغم أنها تذخر بمئات الرجال والنساء الذين يُشاع أنهم راغبون وقادرون على محاكمتهم.

من حيث الإجراءات التي ينص عليها القانون، هناك ثغرة فنية يمكن أن يتستّر بها القضاء السوداني وراء عدم محاكمته لجرائم الحرب والإبادة التي وقعت في دارفور وغيرها من المناطق، وهي أن مهمة تقديم المتهمين للمحاكمة أمام القضاء تقع حصرياً على النيابة، فالقضاء، بحسب التعديلات التي أجرتها حكومة الإنقاذ على القوانين، لا يستطيع القاضي أخذ العلم (قبول الشكاوي والبلاغات) بأي جريمة بخلاف ما تعرضه عليه النيابة، لكن هذه السترة تظل في الإطار النظري، فكلاهما – القضاء والنيابة – خرجت كوادره من رحم الإنقاذ وبجينات مشتركة، والدليل على ذلك أن كلاهما ليس فقط لا يملكان القدرة ولا الرغبة في محاكمة شركاء “كوشيب” في تلك الجرائم، ولكنهما يتباريان اليوم في التستر وحماية الذين صدرت في حقهم مذكرات قبض دولية بذات الإجراءات التي إنتهت بمحاكمة “كوشيب”.

تبقى القول أنه وبلا شك فإن عقوبة “كوشيب” بعشرين سنة في مقابل جرائم القتل والتعذيب والحرق والإغتصاب التي إرتكبها لا تتناسب مع تلك الفظائع، وليس من المقبول تفسير ذلك بأن “كوشيب” أصبح طاعناً في السن (76 عاماً) بما يعني أنه سوف يلقى ربه قبل تاريخ الإفراج عنه، فالعقوبة في جميع الأحوال يجب أن تتناسب مع الجُرم دون إعتبار لمثل هذا العنصر في التخفيف، ومن هنا تأخذ كثير من تشريعات الدول بمبدأ توقيع العقوبة في جرائم القتل مع ظروف مُشدًِدة كالتي يكون ضحيتها أطفال أو القتل المتعدِّد أو التمثيل بالجثة وتصل عقوبة السجن فيها لأكثر من مائة وخمسين سنة، كما توقّع على المجرمين عقوبة السجن المؤبد المتكرر بعدد ضحايا الجريمة.

“كوشيب” صاحب حظ أن فلت من حكم القصاص الذي يستحقه وسوف يمضي عقوبته بسجن مريح في غرفة مرتَبة بها جهاز تلفزيون ويمكنه مطالعة الصحف وإجراء المحادثات الهاتفية مع الأهل والأصدقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى