آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب: أنا زي ما أنا

وُلد عَمُودي الصحفي “زاوية منفرجة” على صفحات جريدة الشرق القطرية، وكانت سعادتي بلا حدود عندما تسلّمتُ أول رسالة بريدية تمتدح مقالاتي، ثم صرتُ ألتقي في شوارع الدوحة بأناس لا أعرفهم يستوقفونني متسائلين: أنت أبو الجعافر؟ يا سلام… إلخ. وعندما أحسست أن زاويتي قد انفرجت حتى اتسعت لآلاف القراء، أصدرتُ كتابي الأول “زوايا منفرجة”.

ثم انتقلتُ إلى لندن للعمل لدى هيئة الـ«بي بي سي»، وصرتُ صاحب أول عمود ثابت في مجلة الهيئة “المشاهد”، ومنها إلى صحيفة القدس العربي اللندنية. وبتزكية من الوزير والشاعر السعودي الراحل غازي القصيبي رحمه الله، وُلدت “زاوية حادة” على صفحات مجلة المجلة. ثم صارت هناك زاوية معكوسة في مجلة فواصل السعودية، وأخرى غائمة في صحيفة أخبار الخليج البحرينية. وتنقّلتُ ككاتب حر بين صحف الوطن وعكاظ واليوم السعودية، والشرق والوطن والراية القطرية، وأيام الأسرة السورية.

ثم سمعت بي الصحف السودانية، فكتبتُ في الرأي العام والصحافة والسوداني وحكايات. وصدرت طبعتان من كتابي زوايا منفرجة وزوايا حادة (مكتبة جرير – السعودية)، وفي عام 2012 أصدرت كتاب “سيرة وطن في مسيرة زول”.

جنيت مالاً كثيراً وعلاقات طيبة مع آلاف الناس من الكتابة الصحفية، وأعترف بأنني كنت أسعد بالثناء الذي كان يأتيني من القرّاء من مختلف البلدان. وصارت الكثير من المحطات التلفزيونية تستضيفني، فأظهر على شاشاتها في كامل الأناقة بعد أن أقرأ سورة الفلق. ولكنني حرصتُ على تحصين نفسي ضد الإحساس بأنني شخص “مهم وخطير وشهير”، وظللت أذكّر نفسي بأنني جعفر ولد عباس وآمنة فقير، ابن بدين وسليل عائلة من الترّابلة البسطاء (تِرْبال كلمة نوبية تعني مزارع، وأصلها النوبي “تِرْبا”).

وبحمد الله، لم أحسّ يوماً بأن هناك ما يحملني على الغرور؛ فلا أنا اخترعت آيس كريم بنكهة الجرجير، ولا أنا رئيس حركة تحرير. وهكذا، كلما تأنّقتُ ببدلة كاملة في مناسبة ما قلتُ لنفسي: حيلَك يا زول ويا حليلَك… هل نسيت أنك كنت ترعى الغنم؟ وأنك كنت تصنع الحبال من ألياف النخيل (العشميق) ونبات الحلفا؟ وأنك كنت تأكل من «الحلّة» مباشرة بدليل تلك الرياح التي نسفت الخيمة التي أقيم فيها حفل الحنّة الخاص بك ضمن مراسم زواجك؟

هل نسيت أنك كنت يوماً ما “بيّاعاً” في متجر لأحذية شركة باتا؟ ثم عملت موظفاً صغيراً في المختبر الطبي بمستشفى بحري، مسؤولاً عن استلام العينات، وكان هناك من يأتي بعينة الفسحة في علبة سجائر “برنجي”، وأنت لا تملك حق التعبير عن الإحساس بالقرف؟ هل تذكر يوم جاءك مريض بزجاجة كبيرة في داخلها لتر من البول قال إنه قضى نحو ثماني ساعات يجمعها؟ هل نسيت أيامك في زنزانة سجن كوبر ومعك «قصرية / نونية»؟ كفاك ولا أزيدك؟

ويا أبا الجعافر:

أتذكر إذ لحافك جلد شاة؟

وإذ نعلاك من جلد الحمير؟

وسبحان الذي أعطاك “زاوية”

وعلّمك الجلوس على السرير

(وأعتذر للشاعر على تحريف بعض ما قال).

زر الذهاب إلى الأعلى