عودة المقايضة في السودان.. اقتصاد بلا نقود

شبكة الخبر ـ فرانس برس
في ظل شح السيولة النقدية وانهيار النظام المصرفي خلال عامين من الحرب، عادت المقايضة لتصبح الوسيلة الأساسية لتسيير حياة ملايين السودانيين. فمع توقف البنوك واحتراق مبنى البنك المركزي وسيطرة قوات الدعم السريع عليه لفترة طويلة، اختفت النقود الورقية من الأسواق وتحوّل المواطنون إلى تبادل السلع والخدمات بأبسط أشكالها.
في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، يؤكد الموظف الحكومي علي أنه لم يحمل ورقة نقدية واحدة منذ أكثر من تسعة أشهر، بينما تُحاصر قوات الدعم السريع المدينة. ويقول إنه اضطر لمقايضة فأس وكرسي بثلاثة أكياس من الذرة الرفيعة لتأمين قوت أسرته—مشهد بات مألوفًا في مدن وبلدات كثيرة.
وتحوّلت الملابس والأثاث والأدوات المنزلية إلى “عملة” جديدة تُستبدل بالدقيق والأرز والوقود. ويشرح المتطوع المحلي الصادق عيسى أن سائقي التوك توك باتوا يتقاضون الزيت والصابون بدل الأجرة، بينما تقدّم عائلات أخرى الذرة أو السكر مقابل خدمات مثل صيانة السيارات.
الانهيار المالي تفاقم بعد خروج شبكة “بنكك” عن الخدمة في مناطق واسعة. ففي كادوقلي، يعتمد التجار على نظام الثقة والدَّين، ويسجلون المستحقات في دفاتر على أمل السداد “حين يعود بنكك للعمل”. وفي المقابل، ما يزال التطبيق يشكل شريان حياة في المناطق التي تتوفر فيها الاتصالات.
بينما انتشرت أجهزة ستارلينك المهرّبة لتوفير الاتصال مقابل مبالغ باهظة، فرضت قوات الدعم السريع سابقًا عمولات وصلت إلى 25% على التحويلات الرقمية لتوفير السيولة، ما ضاعف معاناة السكان. وفي المناطق الريفية، يلجأ المواطنون إلى الأقارب والجيران لاستلام التحويلات في ظل غياب الحسابات البنكية والهواتف والجوازات.
ومع طباعة السلطات الموالية للجيش عملة جديدة في مناطق نفوذها، بات السودان يعيش انقسامًا ماليًا واضحًا يعكس تشظي الدولة بين سلطتين، إحداهما في الشمال والشرق والوسط، والأخرى في الغرب والجنوب. الأزمة، كما تصفها الأمم المتحدة، دخلت مرحلة غير مسبوقة جعلت المقايضة والدَّين وسيلتي النجاة في بلد يواجه أسوأ مجاعة ونزوح في العالم.











