آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : نذر المجاعة في مصر و اثيوبيا 

Rushash72@gmail.com

انتشر مقطع فيديو لرجل سوداني يتحدث بلهجة واثقة يحذر عبرها السودانيين من مطامع دول الجوار في موارد السودان خاصة بعد وقوف دولتي اثيوبيا و مصر على حافة هاوية الجوع .

و هو حديث يعبر في الواقع عن قناعة راسخة لدى معظم السودانيين بأن السودان عجل سمين يقف على قارعة الزمان و تدور حوله الضباع و السباع و تنتظر فرصة سانحة لإفتراسه .

الصراع الدولي حول الموارد و طمع الدول في ثروات الآخرين من الأمور المفهومة بالطبع . غير أن ذلك الصراع في أحيان كثيرة لا يحدث بسبب قلة الموارد في الدول التي تطمع في ثروات الآخرين . و إنما يحدث ذلك بسبب علة أو ضعف الدول التي يتم نهب مواردها و استغلال ثرواتها . فروسيا مثلاً أغني دولة في العالم بالثروات الطبيعية ( تقدر ثروتها الطبيعية ب75 تريليون دولار ) و معها اليابان التي تتبوأ مقعدها في قائمة أغني سبعة اقتصادات في العالم و عدة دول غنية أخرى , يستغلون ثروة موريتانيا السمكية , منذ سنوات , من خلال اتفاقية ظالمة وقعتها معهم حكومة موريتانيا مقابل دفع رسوم رمزية لا تغني و لا تسمن من جوع .

المهم في الأمر هو المفاهيم المضللة التي نبني عليها تصوراتنا لواقع الأمور عند الآخرين . و مقارنة بسيطة بالأرقام تدحض الكثير من التصورات الذهنية الخاطئة . فمثلاً بينما يبلغ متوسط انتاج السودان السنوي من الحبوب ( الذرة , القمح , السمسم و الدخن ) 6.6 مليون طن , يبلغ متوسط انتاج اثيوبيا أكثر من ( 34 مليون طن ) و متوسط انتاج مصر ( 23 ) مليون طن .

إن انتاج مصر السنوي من الطماطم فقط يعادل انتاج السوادن من الغذاء الرئيس ( الحبوب ) . ذلك الأمر الذي يضع مصر في قائمة أكبر خمس دول انتاجاً للطماطم في العالم (6.5 مليون طن ). و مصر كذلك تصنف ضمن الدول الخمس الأعلى انتاجاً للبرتقال في العالم بانتاج يتجاوز 3.5 مليون طن . ذلك بينما لا يتجاوز انتاج السودان السنوي من البرتقال 150 الف طن .

الأمر ليس موضوعاً للسخرية و لا ( التريقة و الافتراء ) و لاعلاقة له بالوطنية و حب الوطن أو خيانته . و إنما يجب قياس الأمور بأدوات يقينية و معلومات واقعية و دقيقة . الأرقام لا تكذب و لا تنحاز و لا تتجمل . و الفرد السوداني منا في العادة يصدر أحكامه على الأمور العامة قياساً على حالته الشخصية و وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي الخاص . و لذلك غالب أحكامنا لا تعدو أن تكون محض تصورات ذهنية و استنتاجات ذاتية .

بيد أننا ( الحالة الوطنية العامة ) نعيش واقع متأخر و حرج للغاية علينا مواجهته بشجاعة و ثبات و من غير لف أو دوران أو محاولات تجميل و هروب من الواقع . فأسعار الغذاء في هذا البلد و أنت حلُ بهذا البلد , يا رعاك الله , تضاعفت بنحو عشر مرات خلال عامين . ملايين الناس يعيشون الآن على التكايا و تحويلات ذوي القربى من المغتربين . إننا ( نتوهط ) الآن حرفياً في قلب الكارثة .

حدث كل هذا التردي بشكل تراكمي منذ سنوات حينما ضللنا الطريق إلى الاستقرار و لم نجد وقتاً مناسباً لتأسيس استراتيجية وطنية للتنمية و التطور و البناء . لم نبن أي صرح اقتصادي أو تنموي عملاق منذ نحو خمسين عاماً من الآن . ليس ذلك فحسب و إنما أصاب الخراب المشروعات القديمة و التي ورثناها من الاستعمار . مشروع الجزيرة العملاق يعاني اليوم إهمالاً رسمياً مبين . و الوضع في مشروعات حلفا الجديدة , الرهد و غيرها أكثر سوءً .

ملايين السودانيين يبذلون جهوداً جبارة سنوياً في الزراعة و الإنتاج مثلما كان أسلافهم يفعلون . غير أن الإنتاجية ضعيفة و الانتاج قليل . يحدث ذلك لغياب الرعاية , ضعف البنيات التحتية , غلاء أسعار المدخلات الزراعية , غياب الضمانات و التأمين الزراعي , عدم توفر التمويل و التدريب و الدعم الفني و العلمي و مواعين التخزين . الأمور تمضي هنا بالنية بدون خطط و استراتيتيجات وطنية أو جهد و رعاية رسميين . و هذا الواقع لا يبني دولة ذات عماد .

اثيوبيا التي ينذر صاحب الفيديو بأنها على وشك المجاعة افتتحت قبل شهور أضخم سد مائي على مستوى افريقيا سيعمل على تأمين الكهرباء للبلاد و تصديرها إلى الخارج و التوسع في الزراعة . و اثيوبيا , يا رعاك الله , تشيد الآن أكبر مصنع للأسمدة في إفريقيا بتكلفة بلغت ( 2.5 مليار دولار ) فتأمل !!! . لقد كنا نحن بارعين في تبديد ( 100 مليار دولار ) من أموال النفط في الفراغ . و تصدرنا قوائم العالم في بعثرة القروض الخارجية في الهواء الطلق أيضاً .

قبل أيام شاهدت فيديو للرئيس محمد حسن مبارك يخاطب فيه الرئيس عمر البشير قائلاً : ( دا أنا عندي 4 مليون سوداني في مصر . تحب أرجعهوم لك عشان تعدهم بنفسك ؟ ) . غض النظر عن مدى صحة الرقم أو دلالات حديث الرئيس حسني مبارك و اسقاطاته , فإن تدفق ملايين اللاجئين السودانيين , الفارين من الحرب , إلى مصر لم يؤثر على امدادات الغذاء في مصر أو أمنها الغذائي . يحدث هذا بينما أذكر أنه عندما أقيمت مباراة منتخبا الجزائر و مصر الشهيرة بأم درمان أواخر العام 2009 حضر يومها إلى العاصمة نحو 27 ألف مشجع من الدولتين . و في تلك الليلة واجهت ولاية الخرطوم أزمة غذائية حادة إلى درجة أن من خرجوا يبحثون عن طعام للعشاء بعد صلاة العشاء وجدوا كل المطاعم و المخابز و حتى محلات بيع الطمعية قد رفعت لافتة ( شطبنا ) . 27 ألف زائر فقط قضوا على أخضر الخرطوم و يابسها في ليلة واحدة بينما تستقبل مكة المكرمة يومياً في آخر كل رمضان نحو 3 مليون زائر لا يشكو أي فرد منهم أنه لم يجد فاكهةً أو لحماً طرياً أو غير طري .

زر الذهاب إلى الأعلى