يعقوب الدموكي يكتب : هل ستنهار قوات الدعم السريع في كردفان ودارفور كما انهارت في الخرطوم والجزيرة؟

بعد أن بلغت قوات الدعم السريع ذروة توسّعها بسيطرتها على ما يقارب 75% من مساحة السودان في المراحل الأولى من الحرب، بدأت خلال الشهور الأخيرة تتراجع بصورة حادة، حتى انكمش نفوذها اليوم إلى أقل من 20%، وسط توقعات بانحسار أكبر في الفترة المقبلة.
فقد سيطرت القوات سابقًا على الخرطوم ومؤسسات الدولة، وعلى ولايات الجزيرة وسنار وأجزاء واسعة من نهر النيل والنيل الأبيض، وتمددت في دارفور وكردفان على نحو غير مسبوق. وكان سقوط العاصمة يعني عمليًا زوال السلطة القائمة، خاصة بعد استيلاء الدعم السريع على المطار والإذاعة والتلفزيون ومقار الدولة، بينما ظلت بعض الوحدات العسكرية صامدة تحت حصار طويل وهجمات متواصلة ليلًا ونهارًا استمرت لعامين.
لكن المشهد تغيّر جذريًا. فالقتال اليوم يدور في شمال كردفان على بعد 600–700 كيلومتر من الخرطوم، في مؤشر واضح على تفوق الجيش وتراجع قدرة الدعم السريع على الاحتفاظ بالأرض.
اعتمدت قوات الدعم السريع، بعد فشلها في إجبار قيادة الجيش وعلى رأسها الفريق عبدالفتاح البرهان على الاستسلام، على استراتيجية مختلفة جوهرها توسيع الفوضى وتسليح فئات غير منضبطة لتعويض خسائرها. بدأت هذه الاستراتيجية بإطلاق سراح أكثر من 20 ألف سجين من مرتكبي جرائم قتل ونهب وتجارة مخدرات وغيرها من الجرائم، مقابل القتال ضمن صفوفها. وبهذا تحولت القوة التي كانت تُقدَّم كقوات “منظمة” إلى مزيج غير متجانس من المقاتلين الذين تحركهم دوافع إجرامية لا علاقة لها بالعسكرية أو الانضباط.
كما استغلت القيادة حالة الغضب لدى سكان الأطراف المهمشين الذين نزحوا إلى ضواحي الخرطوم خلال العقدين الماضيين، نتيجة النزاعات في دارفور وكردفان. وقد حمل هؤلاء شعورًا بأن الدولة وسكان العاصمة لا يكترثون لمعاناتهم، وأن تهميشهم المستمر جعلهم خارج دائرة الخدمات الأساسية. هذا الشعور شكل أرضًا خصبة للتعبئة، فتم استقطابهم بكثافة.
الأخطر من ذلك كان القرار الذي أصدره عبدالرحيم دقلو بالسماح للمستنفرين الجدد بـنهب المؤسسات الحكومية وممتلكات المواطنين باعتباره “بديلًا للرواتب” التي لا تستطيع قواته دفعها. كان هذا القرار نقطة تحوّل، إذ فتح الباب أمام موجات من النهب المنظم وغير المنظم، وجعل النهب نفسه جزءًا من بنية الحوافز داخل منظومة الدعم السريع.
ومع تزايد خسائر القوة الأساسية نتيجة ضربات الطيران، لجأت القيادة إلى تجميع آلاف المستنفرين غير المدربين، ودفعهم إلى الخطوط الأمامية عبر لجان شكلتها تحت مسمى “محاربة الظواهر السالبة”. هؤلاء تم زجّهم في محاولات متكررة للسيطرة على مواقع حساسة مثل سلاح المدرعات وسلاح المهندسين وسلاح الإشارة والقيادة العامة. وتشير المعلومات إلى أن معارك سلاح المدرعات بالشجرة وحدها أدت إلى مقتل أكثر من 35 ألف مقاتل من الدعم السريع والمستنفرين، وهو رقم يعكس حجم الانهيار الذي أصاب البنية القتالية للقوات.
هذا الانهيار الكبير دفع القوات إلى الهروب الجماعي من الخرطوم والجزيرة نحو كردفان ودارفور، في محاولة لإعادة تجميع الصفوف. لكن المؤشرات الحالية توضح أن الدعم السريع يقف اليوم على أرض أكثر هشاشة، بسبب استنزاف قوته الأساسية، وفقدان الحاضنة الاجتماعية، وانهيار منظومة الانضباط، وضعف القدرة على تجديد المقاتلين، إضافة إلى تفوق الجيش جوًا وأرضًا.
ومع تقدم الجيش في شمال كردفان، بات تكرار سيناريو الخرطوم أمرًا محتملًا بشدة، وربما يكون الانهيار هذه المرة أسرع وأوسع، نظرًا لافتقاد القوات المتبقية لأي شكل من أشكال التنظيم الحقيقي، واعتمادها على مقاتلين غير نظاميين لا يمكنها السيطرة عليهم أو توجيههم عسكريًا.
يعقوب الدموكي
إعلامي ومستشار سابق لقائد قوات الدعم السريع






