آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : «البيئة الطبيعية» التدحرج السريع نحو القاع

Rusahsh72@gmail.com

حفّزني لكتابة هذا المقال فيديو مثير ومستفز صوّره صديق سوداني لاجئ في كينيا. تم تصوير الفيديو في منطقة حضرية مأهولة بالسكان والحركة الإنسانية، غير أنه يُظهر بحيرة ساحرة ممتدة ومساحة خضراء شاسعة تتجوّل فيها الحيوانات المتوحشة مثل حمار الوحش والزراف.

إن مثل ذلك المنظر أصبح من المستحيل أن تراه عين إنسان اليوم في أي مدينة سودانية. كانت حديقة الحيوانات بالخرطوم آخر الموائل الصناعية للحيوانات الوحشية، التي كانت تجذب السياح والأطفال وتزورها العائلات، بل ويسافر لرؤيتها المواطنون من مختلف مناطق السودان. وقد وئدت تلك الحديقة في وضح النهار مع سبق الإصرار، وقُيّد البلاغ ضد مجهول معلوم بالضرورة. وقبل خمس سنوات شهد العالم فضيحة الأسود الجائعة في حديقة القرشي؛ أسود أصبحت هياكل عظمية وأشباحاً تعاطف معها العالم، حتى جاءت جمعية أوروبية لتقوم بعلاجها ورعايتها.

إن المحافظة على التنوع البيولوجي لم تعد ترفاً في عالم اليوم؛ بل باتت عنواناً لمدى تحضّر ووعي ورقي وبعد نظر الأمم. حماية التنوع البيولوجي تعكس مدى تعامل الإنسان بعدالة ورفق مع شركاء البيئة من نبات وحيوان، وتترجم تطور وعيه من كائن بدائي استغلالي يعيش على الصيد الجائر والقطع العشوائي للغابات إلى كائن متحضر يتعامل مع البيئة بوعي ورفق. إنسان مبدع وكائن مفكر يبتكر أدوات ومعينات بقائه باستخدام العقل لا العضل.

قبل خمسة عقود كانت الغابات تشكل نحو 40% من مساحة البلاد. الآن تقلصت مساحة الغابات إلى أقل من 10% من مساحة السودان، فتأمل! حدث هذا بسبب التوسع في السكن والزراعة، والاعتماد الكبير على الأشجار كوقود لأغراض مختلفة. وخلال هذه الفترة فقد السودان معظم ثروته من الحيوانات الوحشية بفعل الصيد الجائر والحروب الأهلية. حتى صقر الجديان، الشعار الوطني للسودان، انقرض تقريباً أو هاجر إلى بلدان أكثر أماناً ورفقاً بالحيوان.

لقد ذكرنا أن المحافظة على التنوع البيولوجي ليست ترفاً، بل ضرورة اقتصادية ووجودية أدركتها معظم شعوب العالم الواعية. فإزالة الغابات وإبادة الحيوانات تترتب عليهما آثار مدمرة؛ منها أنها تؤدي إلى تغيّر المناخ، فالأشجار تمتص غاز ثاني أكسيد الكربون، وإزالتها تُسهم في زيادة غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري. كذلك تقلل إزالة الغابات من فرص هطول الأمطار، فيحدث الجفاف ويُهدد الأمن المائي. كما أن إزالة الأشجار تؤدي إلى انجراف التربة وفقدان خصوبتها مما يضعف النشاط الزراعي ويقلل إنتاج المحاصيل، فيهدد الأمن الغذائي. أما قتل الحيوانات فيؤدي إلى هتك السلسلة الغذائية، فيزدهر الضارّ منها وتختفي الأنواع الضرورية لحفظ التوازن البيئي.

للأسف، نحن نلف الحبل حول رقابنا ونخنق أنفسنا ببطء، وفي الوقت ذاته تدفعنا الأنانية إلى حرمان الأجيال اللاحقة من موارد ضخمة، ونورّثهم بيئة طبيعية فقيرة، قاحلة، جافة، لا تصلح للعيش. لدينا مؤسسات رسمية تُصرف عليها الدولة، ومسؤولون يتقاضون رواتب ومخصصات عالية دون أداء واجبهم في حماية البيئة وصيانتها وتطويرها. ولدينا قوانين معطّلة وقصر مشيد! يحدث ذلك بينما جارتنا تشاد، مثلاً، تطبّق قوانين حماية الأشجار بصرامة إلى درجة أن قطع ذراع إنسان هناك أهون من قطع غصن شجرة. لذلك، بينما تدهور قطاع غابات الأصماغ مثل الهشاب واللبان في السودان، ازدهر هذا القطاع وتطور في تشاد بفضل التشريعات والرعاية. وليس ذلك فحسب، بل إن معظم رعاة الماشية في جنوب دارفور صاروا يهاجرون بقطعانهم إلى إفريقيا الوسطى في بعض المواسم بحثاً عن الكلأ والماء، نظراً لتدهور البيئة الطبيعية في السودان.

هل يذكر أحدٌ أن هناك دولة إفريقية اسمها الجابون؟ الغابات تغطي 88% من مساحة هذا البلد المغمور. حدث ذلك نتيجة تطبيق صارم لبروتوكولات حماية الغطاء النباتي، وإصدار وتفعيل تشريعات وطنية فعّالة، مما جذب إليها دعماً دولياً عبر عدد من الاتفاقيات الخاصة بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة. واليوم يأتي السودان في ذيل قوائم الدول المهتمة بالبيئة، ليس عالمياً فحسب، بل حتى إفريقياً. دول إفريقية عديدة أحرزت تقدماً كبيراً في حماية البيئة والحياة البرية مثل زيمبابوي، موزمبيق، أنغولا، مالي، أوغندا، زامبيا، السنغال، وتنزانيا التي أصبحت محمية سيرينغيتي فيها قبلة للسياح ومصدراً للفخر والثروة.

مصيبتنا أننا، في ظل استمرار الحروب والصراعات السياسية في بلادي يا سِنى الفجر… وينبوع العطر… تعوّدنا على تأجيل الإجابة عن أسئلة التنمية والنهضة والتطور إلى أجل لا أظن أنه سينتهي إلا قبل ظهور المسيح الدجال بخمسة أشهر وسبعة أيام وتسع ساعات وإحدى عشرة ثانية.

زر الذهاب إلى الأعلى