آراء ومقالات

عطر المداد – كامل بشير يكتب : أنا كلمتكم ..!

تقول الطرفة — وهي واقعة حقيقية — إن مجموعة زملاء كانوا يعملون بمؤسسة ويضمهم مكتب واحد. هؤلاء الشباب كان بعد كل فترة يتزوج أحدهم، حتى غادروا جميعًا دنيا العزوبية وانضم ركبهم للضفة الأخرى، إلا واحد تأخر أمره قليلًا ثم لحق بهم عريسًا.

فبعد انقضاء فترة الإجازة داوم العمل، ولكنه أضمر في نفسه شيئًا، فجمعهم في المكتب (وشاكلهم زييين). استغربوا من أمره، (مالك يا زول؟). قال لهم: إنتو وقت العرس دا سمح كدا مالكم ما كلمتوني من زمان؟

فعلى هذا النسق، وبما أن السودان دولة شابة يتراوح معدل الشباب فيها أكثر من 60% حسب آخر إحصائية اطّلعت عليها، ومما عايشته أن معظمهم يتوق لتحقيق ذاته وبناء مستقبله بصورة أفضل، إلا أن جزءًا منهم ينطبق عليه المثل (اليد قصيرة والعين بصيرة)، ذلك أن بعضًا منهم يملك أفكارًا ورؤى اقتصادية ولكن يعوزه التمويل (رأس مال) يؤسس به مشروعًا تجاريًا يكفيه شر الحاجة وسؤال الناس.

قطاعٌ منهم يعمل في دواوين الحكومة أو في القطاع الخاص عبر تخصصه الذي درس له سنين عددا، ولكن كما هو معلوم المرتبات لا تكفي ولا تسد الاحتياجات اليومية.

وفي هذا السياق، تناقشت مع أحد الأصدقاء ذات مرة فوجدته رافضًا لفكرة الوظيفة (قال لي: أنا ما بحدد رزقي).

وتبقى أن نظرة الناس وفلسفتهم ما بين دخول السوق والتوظيف تختلف من شخص لآخر.

وعن هذه المرتبات أو (الماهية) كما كان شائعًا سابقًا، أذكر أن جدي نور الهدي — عليه رحمة الله وشآبيب الرحمة — كان يقول استنكارًا: الماهية ما هي؟ بمعنى: لا تسوّي شيئًا.

والراحل مصطفى سيد أحمد قال عنها في أغنيته الشهيرة عم عبد الرحيم: (والماهية أوف).

لذا، فإن دخول السوق تاجرًا في قطاع الصناعة أو الزراعة أو التجارة ولو برأس مال قليل يساهم في زيادة الدخل ويساعد في تلبية احتياجات الحياة المتزايدة. وقد قال الإمام الشافعي: تسعة أعشار الرزق في التجارة.

فمن الملاحظ أن البلد بعد الحرب تشهد حركة تجارية متزايدة وفرصًا استثمارية واعدة. فهؤلاء الجنجويد القتلة الفسقة لم يتركوا شيئًا لم يسرقوه من الأسواق والبيوت، فبعد التحرير وعودة الأمن والأمان والاستقرار تحت سقف القوات المسلحة الباسلة، فالبلد موعودة بازدهار ونماء وتطور كبير.

فليكن — عزيزي الشاب — لك نصيب من هذا الحراك الاقتصادي الكبير في المجال الذي يليق بك ويناسب مقدراتك.

وفي هذا الإطار، على حكومة الأمل بقيادة رئيس الوزراء الدكتور كامل الطيب إدريس أن تهتم بأمر الشباب وتفعّل صندوق تشغيل الخريجين، وتساعد في توفير قروض حسنة عبر المصارف والبنوك عن طريق أقساط ميسرة، خاصة وأن الشباب تنتظرهم معارك كبيرة مع الحياة، بعد أن أبلى كثير منهم بلاءً حسنًا — ولا يزالون — من خلال المشاركة في حرب الكرامة عبر الاستنفار الذي عم ولايات السودان المختلفة.

كما على رموز المجتمع وقادته من رجال الأعمال والمغتربين دورٌ اجتماعي يتكامل مع الدور الحكومي، في دعم أصدقائهم وأهليهم ومعارفهم وزملائهم أصحاب الأفكار والرؤى في إنشاء مشروع تجاري ولو بالفائدة. فكما وقفتم مع الأهل والأصدقاء في هذه الحرب، ادعموا من تثقون فيه بسنارة بدل السمكة، فالمثل يقول: علمني كيف أصطاد ولا تعطني سمكة.

عليه — يا شباب الغد — عشان ما تجوا تشاكلوني وتقولوا ما كلمتكم، أقول ليكم:

التجارة قدح النبي.

زر الذهاب إلى الأعلى