جعفر عباس يكتب:أهلاً بالشتاء
يعشق معظم السودانيين فصل الشتاء، لأنه يقوم مقام الربيع (المفقود)، فيكون فيه الجو معتدلاً، ولا تعرف شدة البرد الشتائي إلا مناطق في أقصى شمال البلاد. وفي الشتاء يحلو النوم ويحلو الأكل، وخير الطعام شتاءً قراصة من الصاج مباشرة إلى الفم، ويُستحسن أن يجلس الآكلون على مقربة من الصاج الذي تُعدّ فيه القراصة. وإذا كنت سعيد الحظ ومن عائلة تعرف كيف تطبخ “التركين” (الملوحة)، فإنك ستفقد السوائل في عز الشتاء وأنت تتناول القراصة بالتركين والعرق يتصبب حتى من فروة رأسك، فما أشهاها بالبصل والشطة.
وفي كل شتاء تعود بي الذاكرة إلى ذلك العصر الذي كنت أستحم فيه “مجبراً” مرتين في الشهر شتاءً بأمر الست الوالدة وتحت إشرافها المباشر، ثم بلوغ مرحلة من التحضر بالاستحمام مرة كل أسبوع بعد غلي الماء وصبه في جردل ليختلط بماء بارد، ثم قبلها تفريغ البلاعة من إفرازات من سبقوني إلى الاستحمام. وعند مقدم كل شتاء تحضرني تجربة العيش في بيت الشباب الكاثوليكي في شمال لندن واكتشاف أن الحمامات بلا أبواب، وكانت الصدمة أن حتى الذين كانوا ينتظرون الدور للاستحمام كانوا يقفون “أم فكو” (يعني ميطي—وفسر الماء بعد الجهد بالماء!). فصرت أنزل إلى تلك الحمامات في نحو الرابعة فجراً، وأفتح الماء الساخن فيها جميعاً وهي خالية من البشر، حتى تتشكل كتلة من الضباب تجعل الرؤية مستحيلة، ثم أستحم، ومن باب اللعب على المضمون أكون مرتدياً “مايوه” سباحة.
ثم استأجرت غرفة في بيت مسز وايت، وكانت “وايت” (بيضاء) بالفعل، وكان لي حمام خاص. وفي أول يوم لي هناك، وبعد أن وضعت أمتعتي في الغرفة، دخلت الحمام ونزل الماء الدافئ على جسمي، وطفقت أغني: “الزول شحت الله… والله أدّاه، وين وين تلقو زي دا”. ثم صرخت: “وي بيوووو!”، ثم بالإنجليزية: we be you، فقد صار الماء مثلجاً قطبياً. وجاءت مسز وايت وصاحت من خلف الباب: “آر يو أوكي؟” هل أنت بخير؟ فصحت: “أي أي أي، مي داي me die… ح أموت!”. ونجحت في الخروج من تحت الماء وارتديت ملابسي، وانفجرت في وجه مسز وايت لأنها خصصت لي حماماً “بايظ”، ولكنها شرحت لي أن الحصول على الماء الدافئ يستوجب تغذية عدّاد الحمام بقطع نقدية.
عدت إلى الغرفة وأعددت فتّة شوربة عدس “كاربة”، وبعد قضاء بعض الوقت في مشاهدة التلفزيون لزمت الفراش ونمت، وجهاز التدفئة ينفث تيارات دافئة. وبعدها بكثير أو قليل أحسست بزلزال، وصار جسمي يهتز وأسناني: “ككككككك”، و”اششششش”، ثم صرخت لا شعورياً: “وي بيوووو!”، ثم سمعت طرقاً على الباب فحسبت أن شرطة سكوتلانديارد جاءت لإغاثتي، فإذا بها مسز وايت على الباب وقد أدركت أنني على وشك الهلاك من البرد. فانصرفت ثم عادت وقامت بتغذية جهاز التدفئة بقطع معدنية، فانبعث الدفء في الغرفة، واعتذرت لأنها لم تنبّهني إلى ضرورة تغذية نظام التدفئة بالمال.
وأطمئن الجميع بأنني أستحم شتاءً على الأقل ثلاث مرات في الأسبوع، وأن الردة إلى عصر الاستحمام مرتين في الشهر “مستحيلة”. ومرحباً بحكاياتكم مع الشتاء والاستحمام فيه.






