أحمد بن عمر يكتب : عن خطاب البرهان والتخوفات السياسية

إذا تقاطعت تخوفاتنا مع مواقف الجيش أو الحكومة، فذلك ليس اصطفافًا سياسيًا ولا تبنّيًا لخطاب رسمي، بل نتيجة طبيعية لقراءة موضوعية للواقع. نحن نحلل المشهد من زاوية المخاطر على الدولة ووحدة الكيان الوطني، بينما تتحرك المؤسسة الرسمية من زاوية التنفيذ والدفاع عن السيادة. هذا التقاطع، حين يحدث، لا يعكس تطابق المصالح بقدر ما يعكس تقاطع الاستنتاجات أمام واقع واضح المعالم وخطير النتائج. وفي لحظات الانعطاف الكبرى في تاريخ الدول، غالبًا ما يلتقي التحليل العلمي البارد مع القرار السيادي، ليس لأنهما متطابقان، بل لأن الخطر نفسه يصبح أكبر من أي خلاف في الرؤية أو المنهج.
وما قاله البرهان عن ورقة بولس يحتاج إلى وقفة مطولة من التحليل.
ففي حال وافق الجيش السوداني على مقترح مسعد بولس بالاحتفاظ بالدعم السريع بشكله الحالي، لا يمكن قراءة ذلك كـ«تسوية سياسية» بقدر ما هو اعتراف غير مباشر بواقع فرضته القوة المسلحة. القبول هنا لا يعني فقط قبول مقترح تفاوضي، بل يعني عمليًا الإقرار بأن الأراضي الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع أصبحت كيانًا ذا شرعية جغرافية وسياسية، وهو تطور شديد الخطورة في سياق الدولة السودانية الهشة أصلًا.
أولًا، الاعتراف الضمني بسيادة الدعم السريع على مناطق نفوذه سيحوّل هذا الواقع من حالة استثنائية مرتبطة بالحرب إلى وضع قانوني سياسي جديد. وهذا يفتح الباب أمام تفعيل حكومة الأمر الواقع التي يسعى الدعم السريع إلى بنائها منذ فترة، سواء عبر الهياكل المدنية التابعة له أو عبر تحالفات قبلية وواجهات سياسية جديدة. وهنا نكون أمام بداية واضحة لمشروع “دولة داخل الدولة”.
ثانيًا، هذا الاعتراف سيعزز خطاب الدعم السريع بأنه ليس مجرد قوة متمردة، بل طرف سياسي ندّي يملك أرضًا وسكانًا وحدود نفوذ. وهذا سيدفعه إلى توسيع عمليات التجنيد والحشد القبلي تحت مبررات حماية «الإقليم» أو «الكيان الجديد». هذا المسار لا يخلق جيشًا وطنيًا بديلًا، بل يؤسس لجيش قبلي–ميليشياوي بغطاء سياسي، وهو أخطر على المدى المتوسط من الحرب نفسها.
ثالثًا، أخطر ما في السيناريو هو إنتاج حالة ازدواج السيادة. وهذا يعني عمليًا وجود سلطتين، بجيشين ورؤيتين اقتصاديتين وإداريتين مختلفتين. والتجارب الدولية تثبت أن هذا الوضع لا يقود إلى سلام، بل إلى حرب مؤجلة، أو تقسيم بطيء، أو دولة فاشلة متعددة المراكز، كما حدث في ليبيا والصومال واليمن بدرجات مختلفة.
أما الذين قد يرحبون بهذا الحل من منطلق عدائهم للجيش أو بحثهم عن استقرار سريع، فهم ينظرون إلى النتيجة القصيرة المدى فقط، بتوقف جزئي للقتال أو استقرار مؤقت في مناطق معينة. لكن على المدى البعيد، سيؤدي ذلك إلى مزيد من الانقسام المجتمعي، وتعميق خطاب الكراهية، وتعطيل أي مشروع دولة وطنية جامعة، كما سيمنح فرصًا لاندلاع حروب جديدة لأن الأزمة لم تُحلّ أصلًا.
بالتالي، يمكن القول بوضوح: هذا السيناريو لا يقدم سلامًا. هذه نقاط تؤسس لانقسام منظم، وتشرعن منطق القوة، وتضع السودان على مسار التفكك السياسي والجغرافي. وأي سلام يُبنى على سيادة مفروضة بالسلاح، وليس على عقد وطني جامع، لن يكون سلامًا مستدامًا، بل مجرد هدنة طويلة لصراع أكبر في المستقبل.
ما أريد قوله هو أن العملية التشغيلية لما يُسمى بـ«حكومة تأسيس» هي في جوهرها تعقيد مباشر للمشهد عبر نموذج انفصال إداري مُقنن؛ إذ إن منح هذه الحكومة سلطة فعلية على المعابر الإنسانية والطرق التجارية، وعلى إدارة الموارد والحركة بين الداخل والخارج، سيخلق واقعًا عمليًا يُجبر الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على التعامل معها كسلطة أمر واقع. ومع الزمن، يتحول هذا «التعامل البراغماتي» إلى شكل من أشكال الاعتراف، وهنا يبدأ ترسيخ الانفصال السياسي على المستوى البعيد، حتى لو ظل الخطاب الرسمي يتحدث عن «وحدة السودان» و«حل انتقالي». وهذا تخوف لا يمكن التعامل معه بحلول يُراد تنفيذها على الأرض.
وهل يُعقل بعد ذلك أن ينتهي نموذج كهذا بمجرد الحديث عن دمج الميليشيا في الجيش أو إعلانها جزءًا من «الوحدة الوطنية» داخل مؤسسة عسكرية واحدة؟ هذا افتراض شديد السذاجة. فالندية التي يجري بناؤها سياسيًا وإداريًا وجغرافيًا، ويتم تسويقها عبر وكلاء الدعم السريع في الرباعية وغيرها، يراد لها أن تتحول إلى أوراق ضغط تفاوضية مدعومة، والتي ستتعامل مع «تأسيس» كعنوان سياسي يمكن تمرير المصالح عبره كمنتج جديد يعول عليه في هذا المشروع، بغض النظر عن قوته أو ضعفه الداخلي. عندها لن تكون أوراق الضغط مجرد مطالب فنية حول الترتيبات الأمنية، بل يمكن أن تصل — كما أُعلن صراحة في مراحل سابقة — إلى مطالب مثل (حل الجيش السوداني)، أو إعادة تكوينه من الصفر، أو تحويله إلى مجرد مكوّن رمزي داخل معادلة أمنية تهيمن عليها الميليشيا بمشروعها. وهذا أيضًا تخوف خطير يحاول البعض القفز عليه.
بهذا المعنى، القبول بالسيناريو يفتح باب إعادة كتابة شكل الدولة ذاتها تحت فوهة البندقية، وسيكون انتقالًا من أزمة حرب إلى أزمة وجود: من نزاع على السلطة داخل دولة واحدة، إلى نزاع على تعريف الدولة نفسها، ومن هو صاحب الحق في احتكار العنف، ومن يملك شرعية تمثيل السودان أمام العالم.
في اعتقادي، هذه ليست وصفة لسلام، بل وصفة لتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الوكلاء، وإدخال مفهوم «شرعية متخيلة» مكتسبة عبر نقاط تفاوض، كمدخل لتفكيك ما تبقّى من مؤسسات وطنية، وعلى رأسها الجيش.






