آراء ومقالات

حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : أكذوبة التهميش

زمان، عندما كنت في صحيفة «الرأي العام»، أجريت تحقيقاً صحفياً استقصائياً حول تهجير المواطنين في المناطق المتأثرة بتشييد سد مروي. سافرت إلى الولاية الشمالية لمدة أسبوع، زرت خلاله المناطق التي هُجِّر سكانها، ثم تفقدت المدن الجديدة التي أُنشئت للمهجَّرين، والتقيت ببعض الأسر التي انتقلت إليها.

أكثر ما لفت انتباهي هو الشظف وصعوبة الحياة في القرى التي زرتها، رغم أنها واقعة على ضفاف النيل، لكنها تزرع شريطاً ضيقاً، ومعظمها تفتقر إلى خدمات الكهرباء والماء والمستشفيات، خاصة الجزر الواقعة في وسط النيل، التي تجبر الظروف أهلها أحياناً على نقل المرضى أو النساء عند الولادة عبر المراكب الشراعية ثم على الدواب لمسافات طويلة، قد يلفظ المريض أنفاسه الأخيرة قبل الوصول إلى المركز الصحي.

هذا الحال ربما سمعتَ المسؤولين – خاصة المنحدرين من ولايتي نهر النيل والشمالية – يتباهون به في وجه الأقاليم التي تشتكي من التهميش. وكثيراً ما رويتُ حكاية المتمرّد القادم من الغابة لتوه عبر اتفاق سلام، حين يزور هذه المناطق ويخاطب أهلها في اللقاءات الجماهيرية قائلاً: «أنتم أولى بالتمرّد منا»، فيحيُّونه بالتصفيق الممزوج بالضحك.. والضحك علامة الرضا!

السؤال الذي ظلّ يلازمني طوال تلك الرحلة – وربما رحلات لاحقة إلى ولايتي نهر النيل والشمالية – هو: أبناء هاتين الولايتين هم أكثر من نالوا التعليم والوظائف الرفيعة، بل إنهم من حكموا البلاد ردحاً طويلاً من الزمن.. فلماذا لم يعملوا على تطويرها طالما كان القلم بأيديهم؟

الإجابة السائدة: أنهم تجردوا من أنانية الذات، ولم يفكروا في أنفسهم وأهلهم ومناطقهم، تركوها تعاني أكثر مما يعاني بقية السودان.. يا للعدل!
لكن هذا ليس صحيحاً، بل أراه مزيداً من التضليل.

الواقع أنهم استوطنوا العاصمة وبعض المدن الكبرى، وسكبوا فيها كل ما يوفر لهم حياة سهلة مرفهة، واحتفظوا بديارهم في الشمالية ونهر النيل لتكون موطن الذكريات لا الأماني.

الذين تكتظ بهم أحياء العاصمة الراقية من أبناء الشمالية ونهر النيل لم ينظروا لحال ولاياتهم لا من باب «المساواة في الظلم عدل»، بل لأن الأمر ببساطة لا يمسهم. فالباقون بصفة دائمة في تلك الأصقاع قلة ممن يرتبط معاشهم مباشرة بالأرض الأم.

عندما زرت مناطق التهجير كتبت عن سوء حال المدن الجديدة. مثلاً مدينة «الملتقى»، عندما زرتها وكانت لتوها قد بدأت تستقبل سكانها الجدد، وجدت الآلاف من المساكن التي شُيدت بأدنى المتطلبات؛ بيوت من فرط فقرها شُيدت مرافقها الصحية من حفرة سطحية لا يتجاوز عمقها ثلاثة أمتار.
وسألت المختصين عن سبب الإصرار على نقل المواطنين إلى مثل هذه البيوت الفقيرة، فكان ردهم بعفوية: «على الأقل أفضل من البيوت التي كانوا فيها، والتي لم يكن بها مرافق صحية على الإطلاق، فكانوا يقضون حاجتهم في العراء، وربما يستحمون بالجردل».

فكنت أسألهم: حسناً.. هذه المدن الجديدة صُنعت للمستقبل وليس لتكريس الماضي، ثم إن البيوت ذات المرافق الصحية الحديثة أقل تكلفة وأكثر كفاءة.. فلماذا تدفعون أكثر لتشييد بيوت أسوأ؟

الواضح أن العلة الحقيقية ليست في إمكانيات السودان المالية، بل في حدود خيال المسؤولين وتصورهم لما يستحقه المواطن..
ذلك الإحساس العميق بأن المواطن يكفيه أن يرفع شعار: «عشة صغيرة كفاية علينا».

زر الذهاب إلى الأعلى