آراء ومقالات

حتى الآن – حيدر الفكي يكتب : لسان حال القادة (سمعاً وطاعة)

في لحظة تاريخية مهمّة وحرجة في آنٍ واحد، وعند منعطفٍ بالغ الحساسية في مسار السودان السياسي، يطرق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان باب الراهن السياسي المغلق والموصد. خلفه يقف قادة الأمر الواقع في هرجٍ ومرجٍ، ودماء وأشلاء، وسباب ووعيد متبادل، وهم في طغيانهم يعمهون؛ لا يفقهون صرفاً ولا عدلاً.

عندها يطرق ابن سلمان باب الأمل بشدّة وجدية، فينتبه أهل الغفلة، ويأخذ بزمام المبادرة بكل قوة وحنكة. يخاطب رجل أمريكا الأول — ترامب — بأن هناك بلداً اسمه السودان، يعاني ما يعاني من ويلات الحرب والدمار، ويسرد له عظمة وحضارة وتاريخ هذا الشعب الذي سلط عليه أبناء جلدته أصحاب الغرض. فيتفاجأ الرئيس ترامب ويفصح عن جهله بتفاصيل الواقع، ويحسب أن السودان مجرد منطقة بلا أول ولا آخر، وليس لها حكومة… إلى آخر تلك التصورات السطحية. لكنه يُظهر تفهمه للوضع هناك من خلال شرح ولي العهد لأبعاد الأزمة وأهمية الحلول، ويُصرّح بأنه بدأ فعلاً في تحريك ومناقشة ودراسة ملف الأزمة السودانية بعد ثلاثين دقيقة فقط من نهاية الحوار مع ابن سلمان.

المدهش في الأمر هو حدوث اختراق للعقلية الأمريكية من حيث سرعة الزمن وقوة الإقناع. اختراقٌ عجز عنه القادة السودانيون والإقليميون والدوليون، ما أدى إلى صدمة لكل أطراف الصراع، وكانت ردّة فعلهم واحدة: (سمعاً وطاعة). ونشط هاشتاق يقوده “البلابسة”: شكراً بن سلمان بديلاً لـ بل بس، وكأن شيئاً لم يكن!

ومما يدعو للاستغراب أن المواقف المفصلية من القضايا المصيرية تحتاج إلى وقت وجهد حتى تتبدل، لا بهذه السرعة. أم أنّها الذاكرة السمكية؟ ولعل أكثر وصف يناسب الحالة هو متلازمة البلبسة؛ فهي ليست موقفاً أو قضية بقدر ما كانت حالة من اللاوعي يستهلكها العوام دون إدراك لأبعادها. وبالتالي لم تتأسس على أرضية فكرية أو رؤية واضحة، بل كانت مجرد هتافات عابرة لا يدرك أصحابها ما يقولون، ولا يعون ما يفعلون. فالأمير محمد بن سلمان فحوى رسالته: لا للحرب، وقد لاقت قبولاً من أنصار البلبسة الأماجد، بينما رفضها التيار ذاته عندما نادى بها تيار وطني عريض، بل اتهموه بالخيانة والعمالة!

ومع ذلك يبقى الأمر المهم — بل الأهم — أن الاتجاه الغالب والسواد الأعظم من الناس أدرك ضرورة السلام، بوعي أو عبر التلقين.

السعودية، ومن خلال قيادتها الحكيمة ممثلة في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، باتت تلعب دوراً محورياً مهماً في المنطقة بسياسة متوازنة تحفظ مصالحها بعقلانية، وتكسب الشعوب بذكاء. وليس ببعيد عن الأذهان إدارتها للملف السوري المعقد والمزمن.

كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا أعتقد أنه يجهل الأزمة السودانية بكل تعقيداتها، لكنه ربما وجد في هذا المدخل مساحة لتوسيع الأريحية بينه وبين ولي العهد السعودي. ولا ننسى حجم المصالح المشتركة بين واشنطن والرياض. وربما أراد أيضاً تقديم محمد بن سلمان كرجل المرحلة في المنطقة، خاصة وأن بينهما الكثير من التفاهمات.

وعلى كل حال، ما يهم المواطن الذي عانى الويلات من نار الحرب وتداعياتها الثقيلة هو تحقيق السلام عبر أي منصة وبأي طريق، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام. فمستنقع الحرب الآسن طريقه الدمار والشتات وضياع الوطن في متاهات أهواء داعمي الحرب الذين لا تعنيهم النتائج، ولا تؤرقهم الكلفة، لأن الانتماء للأرض والتراب ليس متجذراً في نفوسهم ولا من أدبياتهم.

ولم أرَ البرهان في مأزقٍ أكبر من هذا الذي يعيشه الآن؛ فإن رضخ لتيار وقف الحرب والتعاطي مع تبعاتها، فستصل تلك التبعات إلى عقر داره وإلى التيار الداعم للحرب، وهنا يصبح في مهب الريح وربما يدفع ثمناً باهظاً. وإن استجاب لدعاة استمرار الحرب، فسيفقد الدعم الدولي والإقليمي، وسيكون في مواجهة خاسرة لا محالة، وسيأتي الحل من الباب الخلفي، وحينها سيكون وجوده من عدمه سواء في المشهد السياسي.

وكذلك حال مليشيا الدعم السريع التي أصبحت تعاني عزلة خانقة إقليمياً ودولياً بعد الانتهاكات الجسيمة عقب سقوط الفاشر، والتي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فسقوط الفاشر كان وبالاً وخسارة فادحة عليهم، وإن بدا ظاهره انتصاراً.

همزة وصل:

هي روحٌ مُتعَبة بفوضى الجسد، مُنهَكة بفكر العقل ووعي السؤال…

زر الذهاب إلى الأعلى