جعفر عباس يكتب : الضمير المستتر واللغة في خطر
إنَّ تحصيل عيالنا في اللغة العربية مُخجِل ومُؤسِف، بسبب بؤس مناهج تدريس العربية. وتُحتِّم طبيعة عملي قراءةَ سيرٍ ذاتية لراغبين في العمل في مجال التلفزيون، واللغة هي العنصر الأساسي في الإعلام. قل لي ماذا تفعل عندما يأتيك طلب توظيف من واحدة اسمها هدى أو ندى، وتكون قد كتبته «هدي» أو «ندي». أو يكتب شخص ما أنه يبحث عن وظيفتن، أي «وظيفةٍ». (قال نائب في البرلمان السوداني عام 2015 إن تلميذاً في مدرسة سُئل عن العشرة المبشَّرين بالجنة، فذكر الرسول عليه السلام ثم أبا لهب!).
أجيال كاملة لا تُميِّز بين الياء والألف المقصورة (مِني ومُنى)، ولا بين التاء المربوطة والمفتوحة. أمّا الهمزات فـ”خليها على الله”. أستاذ في الهندسة استنكر أنني كتبت أبو ظبي بالظاء وليس بالضاد، وفشلتُ في إقناعه بأن طريقة نُطقه للحرفين لا تُمثِّل مرجعية لغوية.
لا أعرف الكثير عن الطُّرُق المثلى لتدريس اللغة العربية، ولكنني حصلت على تدريبات مكثفة في تدريس الإنجليزية، وفي تقديري فإن طرق التدريس في معظم الدول وفي كل المواد متداخلة، وبينها قواسم مشتركة. قبل أكثر من خمسين سنة توصّل مُعلِّمو اللغة الإنجليزية إلى ضرورة إلغاء مادة قواعد النحو (الـ”غرامر”) كمادة مستقلة، والاكتفاء بإعطاء الطالب جرعات خفيفة من القواعد في سياق قراءة نصوص مكتوبة أو مسموعة، بحيث تُستنبَط القاعدة من النص.
ولو ظلَّت مناهج اللغة العربية عندنا جافة ومملة كما هي الآن، فإن اللغة الفصحى ستصبح عمّا قريب “تخصُّصاً” لنخبة النخبة، وهذه النخب في كل المجتمعات أقلية هزيلة العدد. وزاد الأمر ضِغثاً على أبالة (وهذه العبارة ليست بالأوردو، بل تعني أن الأمر انتقل من سيئ إلى أسوأ) أن التلفزيون، وهو أكثر أدوات الإعلام رواجاً، وقع تحت سطوة مجاميع من الأميين لغوياً ومعرفياً، فهدموا ما بناه جيل الرواد في الصحافة المكتوبة والإذاعات، حين نجحوا في استنباط لغة فصيحة وبسيطة، لا تكلُّف فيها ولا تقعر.
وبوصفي شخصاً أمضى معظم سنوات عمره في مجال الصحافة والإعلام، أعرف كيف يثق العوام بما يأتيهم عبر وسائل الإعلام. وفي المرحلة التي كنت أسعى خلالها لتحسين إلمامي بالعربية، كنت ألجأ إلى إذاعة بي بي سي – هنا لندن للتأكد من صحة نطق بعض المفردات، لكن في سنواتها العشرين الأخيرة صارت تلك الإذاعة تفتك باللغة العربية آناء الليل وأطراف النهار. فإذا كان ذلك حال وسيلة إعلام ذات إرث عريق، فما بالك بإذاعات وتلفزيونات سلق البيض التي تسلّل إليها عصاميون في جهالتهم، كل رأسمالهم وسامة مصطنعة، ويُقدّمون برامجهم بلغة المقاهي والأرصفة.
وبالمناسبة، فإن نظام التصحيح في الكمبيوتر يتسم بالغباء عند معالجة النصوص العربية، إذ يضع خطوطاً حمراء تحت كلمات مكتوبة بطريقة صحيحة، في حين يُصحّح النظام الإنجليزي الأخطاء الإملائية والنحوية معاً، وما ذلك إلا لأن من أعدّوا نظام التصحيح العربي كانوا قليلَي الزاد والعتاد.
لا أزعم أنني فَطَحْل في اللغة العربية، ولكنني حريص على الاستزادة منها لأنني أحبها بوصفها عنصراً أساسياً في تكويني الثقافي وبالتالي هويتي، وأخاف عليها من التلوث والتحنط والتيبُّس والتكلّس.






