حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : خطاب حمدوك ..
مساء أمس، بث الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء المستقيل في يناير 2022، خطاباً إلى الأمة السودانية، رثى فيه الحال التي انهارت إليها البلاد، وحذّر من استمرار التداعيات إلى مدى قد يطيح بالدولة السودانية برمتها.
لم يكن لهذا الخطاب أن يعنينا لو اكتفى بتوصيف الحال الراهن ومدّ بصره إلى مآلات الأوضاع؛ لأن ذلك لا يخرج عن سياق التحليل، في الوقت الذي يجدر بالقوى السياسية أن تدرك أننا في موضع الفعل لا القول، وأن المطلوب منها التقدم بالحلول وفتح الآفاق لمنافذ الخروج من الواقع المرير الماثل.
ولكن الدكتور عبد الله حمدوك تجاوز التحليل والتوصيف، وقدّم وصفة سياسية تستوجب النظر إليها بعين الاعتبار الجاد.
القطاع السياسي السوداني بشتى مشاربه ومختلف ألوانه وخلافاته وعداواته هو المعني أولاً وأخيراً بالحلول السلمية لأزمة البلاد. هذه الحرب، رغم أنها تقوم على أكتاف البنادق، ويدفع ثمنها السودانيون بالدماء والدمار، لكنها نشأت من خلافات سياسية بين المكونات والتكتلات الحزبية، واستمدت جذوتها من تمادي الإقصاء المتبادل بينهم، وما تحولت إلى الميدان العسكري إلا على إثر استقطاب سياسي جرّ معه استقطاباً عسكرياً، ثم مواجهة تلاها الانفجار.
والمخرج من هذا النفق لن يكون إلا من الباب ذاته: المعالجة السياسية التي تطفئ النيران وتفرض السلام والاستقرار في السودان.
الحلول السياسية لن تتحقق إذا ظلت حالة الإقصاء المتبادل قائمة. لن يستطيع فصيل سياسي أن يحكم البلاد وحده. ومن الحكمة الاتفاق على الغايات العليا، ولا بأس من الاختلاف حول الوسائل المفضية إلى هذه الغايات.
الخلافات السياسية ليست مشكلة في حد ذاتها، إلا إذا عُولجت بالبندقية في ترجيح كفتها.
خطاب حمدوك هو خطوة إلى الأمام… من الحكمة تشجيعها والبناء عليها بخطوات واضحة وممكنة.
أولاً: الاتفاق بين كل الطيف السياسي على الهدف الأعلى: وطن مستقر مزدهر متقدم.
ثانياً: الباب المفضي لتحقيق هذه الغاية – التي لن يختلف عليها أحد – لا ينفتح إلا بوقف هذه الحرب تماماً، والانتقال إلى مرحلة البناء الرشيد لدولة حديثة. إنهاء الحرب باتفاق سياسي هو أفضل الحلول وأنجعها.
ثالثاً: لوقف الحرب سياسياً لا مناص من منصة سياسية واحدة تجمع السودانيين من كل المشارب، بلا إقصاء مهما كانت الخلافات، تجمع قوى الحرية والتغيير (قحت) وصمود والإسلاميين وأحزاب التأسيس وبقية الأحزاب المنقسمة بين هذه الأطراف، داخل السودان وخارجه.
رفع أي فيتو ضد أي فصيل سياسي يعني إضعاف فرص السلام.
وإذا لم يتوفر إجماع، فلا بأس من أقصى قدر من التوافق… «ما لا يُدرَك كله لا يُترَك جُلُّه».
رابعاً: التوافق السياسي لا يكون على تفاصيل دستورية أو قضايا الحكم في هذه المرحلة، بل فقط على تشكيل هياكل مرحلية لبناء مستويات الحكم في البلاد، بدءاً من المجلس التشريعي (البرلمان)، ثم مجلس الوزراء، ومجلس السيادة.
من الحكمة أن تدرك القوى السياسية أن المكابرة والعناد والاستمساك بخطاب المفاصلة لن يحقق فوزاً لأحد… النتيجة الوحيدة ستكون: لم ينجح أحد.
والخاسر – كما قال حمدوك في خطابه – هو الشعب السوداني وحده.





