آراء ومقالات

حديث المدينة – عثمان ميرغني يكتب : حين خرج الجان من الجرة!

رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل لما رأى تضعضع الحكم تحت أقدامه، وإرهاصات عودة الأزهري، ذهب إلى قيادة الجيش، الفريق إبراهيم باشا عبود القائد العام للجيش السودانيّ، وطلب منه تسلُم الحكم؛ لإنقاذ البلاد من خطر الانهيار الداهم.

القائد العام للجيش رفض الطلب، وأصرّ على حياد الجيش تجاه العمل السياسي والمدني، رفض الفريق عبود- بإصرار- مبررات رئيس الوزراء؛ بحكم تكوين عبود العسكري المهني الصارم؛ فهو عسكري محترف تخرج في المدرسة الحربية، في العام 1918، وتدرج في الرتب العسكرية إلى أن تولى منصب القائد العام، بعد أربعة أشهر من استقلال السودان (4 أبريل 1956).

لكن عبد الله خليل ألحّ في طلب تدخل الجيش؛ بحجة أن البلاد معرضة إلى السقوط في بحر الفوضى- إن لم يمارس الجيش مهمته في حمايتها من الخطر- وأخيراً وافقت قيادة الجيش على طلبه.

يقول الأستاذ عبد الرحمن مختار (مؤسس صحيفة الصحافة)، في كتابه (خريف الفرح): أن عبد الله خليل ذهب في يوم 16 نوفمبر 1958 إلى القيادة العامة للجيش؛ للاطمئنان على ترتيبات (الانقلاب العسكري)، لكنه تعرض إلى صدمة نفسية قاسية عندما رفض الحرس السماح له بدخول القيادة، فاتصل بالفريق عبود، الذي ردّ عليه- بكل حزم- أن الترتيبات العسكرية بدأت ولا شأن لـ (المدنيين!!) بها، لغة الجيش الحاسمة كانت كافية ليفهم منها عبد الله خليل أنه أخرج الجان من قمقمه، وأن الجان لن يعود!.

في صباح اليوم التالي، الإثنين 17 نوفمبر 1958، عزفت الإذاعة السودانية المارشات العسكرية، مطلقة صافرة البداية ليس لأول انقلاب عسكري- فحسب- بل لسلسلة من الانقلابات العسكرية، التي سطرها التأريخ السياسي المعاصر في السودان.

كان عملية تسليم وتسلم من تخطيط وتنفيذ رئيس الوزراء (المنتخب!!) عبد الله خليل، أقرّ بذلك الفريق إبراهيم عبود بعد الإطاحة به في ثورة 21 أكتوبر 1964 الشعبية، أمام لجنة التحقيق، التي شكِّلت؛ لتقصي أسباب انقلاب 17 نوفمبر، فقال: (قبل أيام من استئناف البرلمان أعماله، اتصل بي رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل، وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيء إلى أسوأ، وأن أحداثاً خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش السلطة).

حزب الأمة في سياق دفاعه التأريخي عن موقف عبد الله خليل قال: إن اتفاق خليل مع الجيش كان أن يتولى الجيش السلطة فترة انتقالية لا تتجاوز ستة الأشهر، ثم يعيد الحكم إلى من سلمه إليه، وبالطبع (اعتذار) حزب الأمة هذا، لا يمكن وصفه إلا بـ (العذر الأقبح من الذنب)، كيف لحزب سياسيّ جاء إلى الحكم عبر صندوق الانتخابات أن يرضى بقلب نظام الحكم بالقوة العسكرية لمجرد حسم خلاف سياسيّ.

وكيف لحزب سياسي يحكم البلاد أن يكون من الغفلة و(السطحية) ليصدق أن الحكم يمكن أن يسلم (وديعة) مؤقتة ليسترد عند الطلب.

قصة هذا الانقلاب هي ثاني المخازي العشر؛ لأنها أفضت إلى نتائج مهولة في التأريخ السوداني، أقحمت الجيش في العمل السياسي، وفتحت شهية العسكريين لتكرار المحاولة، فبعد أربعة أشهر- فقط- من انقلاب عبود بدأ العسكريون تجربة حظهم، فكانت أول محاولة انقلابية اشترك فيها اللواء محي الدين أحمد عبد الله، واللواء عبد الرحيم محمد خير شنان، في 2 ماس 1959، وفشلت، فأعادها بعد يومين، وفشلت، فكرراها بعد شهرين في مايو، وفشلت- أيضاً- لكن نتج عنها استيعابهم في المجلس العسكري الحاكم.

ولكن الانعطاف الحاد في الانقلابات العسكرية بدأ بعد عام واحد من نجاح عبود في استلام السلطة؛ ففي 9 نوفمبر 1959 قاد اليوزباشي (المقدم) علي حامد انقلاباً عسكرياً مثيراً، إذ كانوا كلهم من صغار الضباط، وشاركهم من المدنيين ساسة من كل الأحزاب، على رأسهم الإخوان المسلمون- بقيادة الرشيد الطاهر بكر، والشيوعيون.

أُجريت لهم محاكمات عسكرية صدر بعدها حكم بإعدام خمسة من القيادات العسكرية.

ثاني المخازي العشر هذه كانت مدخلاً لإدارج سلسلة من الانقلابات العسكرية في التأريخ السوداني المعاصر.

زر الذهاب إلى الأعلى