تقارير وتحقيقاتسلايدر

سلاح التشويش القاتل: سر “الشبح” الذي عطَّل اتصالات الجيش ودمر دفاعات الفاشر

تقرير: محمد أمين ودانيال هيلتون – ميدل إيست آي

قال جنود قاتلوا في المدينة ومسؤول في شركة اتصالات لموقع ميدل إيست آي إن الانهيار الكامل للدفاعات في مدينة الفاشر المحاصرة بإقليم دارفور في السودان حدث بسبب انقطاع الاتصالات، الذي ترك القوات في حالة من الارتباك والعزلة مع اقتراب مقاتلي قوات الدعم السريع منها.

وأوضح الجنود، وهم جزء من القوات المشتركة (متمردون سابقون من دارفور يقاتلون إلى جانب القوات المسلحة السودانية)، أن جميع أجهزة الاتصالات أصبحت غير صالحة للاستخدام في 26 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع توقف المعركة.

وفي تلك الليلة، قال الجنود وقائدان للقوات المشتركة إن غرفة العمليات الرئيسية أصبحت فجأة غير قادرة على الاتصال بالقيادة العسكرية في الخرطوم أو القيادة السياسية في بورتسودان أو قواتهم على الخطوط الأمامية.

وبحسب المصادر، قرر الضباط في تلك الليلة سحب قواتهم من الفاشر، تاركين المدينة – التي حوصرت لمدة 18 شهرًا ويقطنها نحو 260 ألف شخص – تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ورغم تمكّن معظم قادة القوات المسلحة والقوات المشتركة من الفرار، فإن العديد من الجنود لم تصلهم أوامر الانسحاب، مما أدى إلى مقتلهم أثناء القتال أو أثناء محاولتهم الفرار، أو اضطرارهم للبحث عن الأمان بمفردهم.

وأظهرت مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية وصور الأقمار الصناعية مجازر واسعة النطاق ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر ضد المدنيين. ووصف الناجون لموقع ميدل إيست آي كيف شهدوا عمليات إعدام ميدانية واغتصابًا وانتهاكات أخرى.

واتهمت لجنة مقاومة الفاشر، وهي جماعة مؤيدة للديمقراطية، الجيش بالتخلي عن المدينة، ونقلت قناة سكاي نيوز عن “مصادر مطلعة” قولها إن القوات المسلحة السودانية قبلت “صفقة غير مباشرة” للانسحاب. لكن الجنود والقادة والمسؤولين أصروا في تصريحاتهم للموقع على أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق، وأن الانسحاب الفوضوي كان بسبب انقطاع الاتصالات بشكل كامل.

زوّدت الإمارات قوات الدعم السريع في الفاشر بأسلحة متطورة، خصوصًا الطائرات المسيّرة، إلى جانب مرتزقة ومساعدات أخرى. لكن التشويش الذي فصل الوحدات على الأرض كان العامل الأكثر حسمًا، وفقًا لمحمد حمادو، مساعد حاكم دارفور مني أركو مناوي، الذي قال:

“عندما تفقد الجبهة الأمامية التواصل مع المؤخرة والمواقع الدفاعية، فهذا يعني أنك لا تستطيع الاستمرار في القتال”.

أربعة خطوط دفاع

على مدى أكثر من 500 يوم، فرضت قوات الدعم السريع حصارًا على مدينة الفاشر، وأحاطتها بجدران ترابية يبلغ طولها 31 كيلومترًا لمنع أي شخص من الفرار.

ورغم القصف والهجمات المتكررة، تمكن المدافعون من صد الهجمات حتى أواخر أكتوبر. ووصف أحد جنود القوات المشتركة أربعة خطوط دفاعية متكاملة: متاريس وخنادق مدعومة بمركبات مسلحة؛ قوات خاصة في أنفاق تحت الأرض؛ قاعدتان رئيسيتان؛ وخط دفاع أخير يضم وحدات الدبابات والمدفعية ومشغلي الطائرات بدون طيار.

لكن الاتصالات كانت مقطوعة منذ أشهر، والإمدادات نادرة بعد إسقاط طائرة شحن في أكتوبر 2024، ما أدى إلى مجاعة مؤكدة في مخيمات النازحين.

هجوم “غير مسبوق”

في 21 أكتوبر، شنت قوات الدعم السريع هجومًا واسعًا وُصف بأنه “غير مسبوق”، قادته قوات إضافية بقيادة عبد الرحيم دقلو، شقيق قائد الدعم السريع. وفي غضون أيام، تمكنت الميليشيا من دخول المدينة والسيطرة على مواقع استراتيجية، بينها القصر الرئاسي ومقر إقامة المحافظ.

خططت القوات الحكومية لنصب كمين داخل الحامية العسكرية، لكن فجأة فقدت كل وسائل الاتصال – الراديو، هواتف الثريا، وأجهزة موتورولا اللاسلكية – ما أدى إلى انهيار كامل في التنسيق العسكري.

عملية تشويش معقدة

أفادت مصادر اتصالات بأن انقطاعات شديدة ضربت شبكات الهاتف المحمول وخدمات الإنترنت بين 24 و26 أكتوبر في دارفور وكردفان، وتزامن ذلك مع سقوط الفاشر وبارا.

ووفق شهادات من المدينة، شوهدت طائرتان مسيرتان تحلقان لساعات فوق حي دارجا، ومع وجودهما لم يتمكن أحد من الاتصال بشبكة “ستارلينك”.

ورغم أن التشويش على خدمات الأقمار الصناعية أمر معقد، أكد خبراء أن مثل هذه العمليات لوحظت سابقًا في السودان، إذ سُجلت حالات تشويش على إشارات الأقمار الصناعية ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

قبل سقوط الفاشر بأسبوعين، ظهرت صورة لمقاتل من قوات الدعم السريع يحمل جهاز تشويش صيني من طراز Wolves Team، قادر على تعطيل الإشارات في نطاق 2.5 كيلومتر. كما ظهرت صور أخرى لنظام تشويش محمول على الظهر من إنتاج شركة Norinco الصينية.

وقال محمد الأمين عبد العزيز، القيادي في حركة تحرير السودان (ضمن القوات المشتركة)، إن الإمارات زودت الحوثيين سابقًا بهذه التكنولوجيا، مؤكدًا أن انقطاع الاتصالات أدى مباشرة إلى انهيار الدفاعات.

الانسحاب الفوضوي

مع حلول ليل 26 أكتوبر، اجتمع القادة في جامعة الفاشر بعد فقدان الاتصال الكامل، وقرروا الانسحاب بعد تقييم الوضع. وأوضح مصدر مقرب من رئيس الوزراء السوداني كمال إدريس أن القادة تواصلوا عبر “ستارلينك” مع القيادة العسكرية للحصول على الموافقة.

تم إخراج كبار القادة أولًا، تلاهم نقل الأسلحة والمعدات الثقيلة. لكن عملية الانسحاب تحولت إلى فوضى، إذ تعرّضت وحدات للهجوم بطائرات مسيرة، بينما تُرك العديد من الجنود والمدنيين دون علم بالخطة، ليواجهوا مصيرهم وحدهم.

زر الذهاب إلى الأعلى