آراء ومقالات

مصعب رشاش يكتب : إفتتاح المتحف المصري ,, الفرحة هناك و الحسرة هنا

يحكى أن رجلاً بعد تناول الوجبة في مناسبة زواج قام يبحث عن مكان غسل الأيدي حتى وقف أمام الشخص المكلف بجمع و تدوين مساهمات المدعويين النقدية فسأله . و كان جامع المساهمات ظريفاً فوصف له مكان الغسل قائلاً : ( الغسيل هناك , لكن المكوه هنا ) . ذكرنا هذه الطرفة تخفيفاً لوقع الحزن و الألم الذي سوف يصيبنا في متن هذا المقال .

كان افتتاح المتحف المصري الجديد الحدث الأبرز في منطقة الشرق الأوسط عموماً خلال الأسابيع الماضية . و قد بغلت تكلفة تشييد ذلك المتحف مليار دولار . نعم مليار دولار عداً نقداً , دفعت الحكومة المصرية نصفها تقريباً و تكفلت مؤسسات خارجية و دول أجنبية بالنصف الباقي و جاءت اليابان على رأس الدول المانحة . ومنذ افتتاح المتحف , يزوره يومياً في المتوسط 19 الف زائر فتأمل !!! . ترى كم شخص يزور متحفنا القومي بالخرطوم الآن في اليوم أو في الماضي و حتى المستقبل ؟ أو قل هل هناك من يزور متحفنا الوطني الآن من الأساس ؟ أو في الواقع هل أبقت الحرب و ( الشفشافة ) شيئاً ذا قيمة في متحفنا الوقور علما بأن المتحف المصري الجديد يضم خمسة الف قطعة من مجموعة توت عنخ امون فقط ؟ . و هل هناك جهة رسمية أو أهلية وقفت على المتحف الوطني و فحصت محتوياته و أصدرت تقريراً أو خطة لإنقاذه منذ تحرير الخرطوم و حتى الآن ؟ . عموماً هذه الأسئلة و غيرها من التساؤلات تمثل محور مقالنا اليوم . و ستتضمن الإجابة عليها معلومات مؤلمة و أرقام مذهلة و قصص تاريخية محزنة بكل أسف .

عندما تم توقيع اتفاقية مياه النيل الثنائية بين مصر و السودان عام 1959 كان المصريون ينظرون بعيداً و في اتجاه آخر . إتجاه مختلف تماماً لم يكن يخطر على بال السودانيين آنذاك و أظن أنه ما زال لا يخطر على بالنا حتى الآن . المهم , انطلاقاً من العقلية الإستراتيجية و التفكير المنهجي المنظم و الممرحل كان المصريون , بعد أن ضمنوا حصة الأسد في مياه النيل , يفكرون في تشييد ماعون ضخم لحفظ حصتهم الكبيرة من مياه النيل . و في ذات الوقت كانوا يخططون لانقاذ آثار حضارتهم القديمة في حال بناء سد كبير لتخزين المياه . و ذلك نظراً لما تمثله من ثروة معنوية بوصفها تمثل ذاكرة الأمة المصرية و مصدر فخرها و وحدتها و قيمة مادية من خلال ما تدره صناعة السياحة من دخل كبير .

في العام 1960 طلبت مصر مساعدة اليونيسكو لإنقاذ آثار النوبة . فأطلقت حملة عالمية سميت (International campaign To Save The Monuments Of Nubia ) . أخذت مصر السودان صحبة راكب في طلبها لمنظمة اليونسكو لأننا في ذلك الوقت لم نكن ( فايقين ) لمثل ذلك الترف . فقد كان السياسيون في تلك اللحظات يبكون على الحكم الذي أضاعوه مبكراً . و يبحثون بشتى السبل إمكانية استرجاعه . بينما كان العساكر يحصرون تفكيرهم في كيفية العض بالنواجذ على السلطة التي أتتهم على طبق من ذهب . و تضامناً مع الحملة شاركت خمسون دولة في مشروع انقاذ آثار النوبة . و بلغت حصيلة الدعم النقدي 80 مليون دولار ( كان مبلغاً ضخماً جدا وقتها ) . و كالعادة أخذت الآثار المصرية نصيب الأسد في القسمة . لان المصريين شاركوا بفرق فنية وطنية في العمليات بينما اكتفى السودان بالاستمتاع بمشاهدة روعة المنظر فتأمل !!!. و على ذلك تم انقاذ معبد أبو سمبل الشهير و معبد فيله و معبد عمدة و عدد كبير من الآثار القديمة . نقلت هذه المعابد الضخمة تقريباً بالكامل و أعيد تركيبها في أماكن جديدة داخل مصر و هي الآن تدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً من السياحة .

أما في الجانب السوداني فقد غمرت المياه معظم الآثار التاريخية مثل معبد فرس , موقعي سمنة و عمارة غرب , معبد تافه , قصر إبريم , عبد القاد , السبوع , عمد . أنقذت اللوحات و الجداريات فقط من هذه المعابد السودانية و تركت المعابد لتغمرها مياه البحيرة بالكامل غير مأسوف عليها . و بحسب ( ChatGPT) المحايد فإن الموارد لم تكن كافية لانقاذ الآثار السودانية إلى جانب عدم توفر الإرادة السياسية فتأمل !!! .

لقد كانت النتيجة المستقبلية لكل ما حدث وقتها و ما ظل يحدث حتى الآن هو أن دخل مصر السنوي من السياحة يبلغ الآن 15,3 مليار دولار . أكرر 15,3 مليار دولار . يحدث ذلك في حين أن ميزانية هذا البلد , و أنت حل بهذا البلد ,يا رعاك الله أقل من 6 مليار دولار . و لا توجد أرقام رسمية توضح دخل السياحة في هذا البلد ( العيان ) في الطيف أو في الصحيان شايل في قلبي آهات و أنت السبب كيان .

الآن هل رأيتم مدى الحسرة و الألم و ما ظللنا نحصده من مسلسل التفريط و غياب التخطيط طوال عمرنا الوطني ؟ كل شيئ مؤجل في هذا البلد إلى أجل غير مسمى . و لا اظن أننا سوف لن نبدأ دورة التنظيم و التخطيط الوطني الراشد إلا قبل ظهور دابة الأرض بثلاثة شهور و أحد عشر يوماُ و خمسة ساعات و ست دقائق و عشرين ثانية .

زر الذهاب إلى الأعلى