آراء ومقالات

جعفر عباس يكتب: عن العيال مرة أخرى

من الأخطاء التي يقع فيها بعض الأمهات والآباء افتراض أن العيال يجب أن يكونوا نسخًا (كوبي) من بعضهم البعض، (وتسمع في بعض البيوت: “انت ما شايف أخوك/ أختك رايقة/ شاطرة كيف؟”). بينما حتى التوائم المتشابهون بيولوجيًا يختلفون في الطباع والأهواء ودرجة الذكاء. وفي كثير من البيوت تجد اختلافات بسيطة أو كبيرة بين العيال، مثلًا: سين كسول ومستهبل ولكنه ذكي جدًا، وصاد جادة ومنظَّمة، وعين بتاع مقالب وحركات، وغين مهووسة بالمكياج من عمر سنتين.

والخطأ الآخر هو تمييز الأولاد على البنات. مثلًا، عندما جاء مولودنا الأول ذكرًا كادت أمه تجن من فرط الفرح، فلأن أمها لم تُرزق بذكور، ولو رأيت السعادة في وجهها لحظة بشّروها بالولد لحسبت أن ولدها ذاك تكلم في المهد. وكانت تغني له بكلمات سمعتها في فيلم مصري:

لما قالوا دا ولد

انشدّ ضهري وانسند

ولما قالوا دي بنية

انهد ركن الحيط عليّا

وجابوا لي البيض بي قشرو

وبدل السَّمنة مِيَّه

ثم كان مولودنا الثاني بنتًا، فوقعت في حيص بيص وعدلت النص قائلة:

ولما قالوا دي بنية

قلت دي الحبيبة جايه

وتزيد الشورة عليّا

وعندما كبرت البنتان صارت تقول: “الما عنده بنات ما عرف طعم الذرية”.

كان أبي وأمي أميّين مع سبق الإصرار والترصد، ومع هذا لم يُميّزا قط بين أولادهما وبناتهما، بل كانت أختي فاطمة ذات كلمة نافذة حتى على أبي في أمور بيتنا، بينما كانت ليلى بنت عمي في مرتبة عميد الأسرة كلها.

عيالي أيضًا مختلفون في أمور كثيرة: غسان الوحيد بينهم “الشاطر” في الرياضيات والعلوم، وبتاع مقالب، وعبير مثل أبيها لا رياضة لا رياضيات، ولكنها استحقت لقب الرايقة ست الجيل وتعشق اللغات، ومروة قليلة الكلام وشاطرة في الرسم والتصميم، ولؤي هادئ ويعشق القراءة المتنوعة ومهووس بنادي مانشستر يونايتد.

واليوم، وقد كبر العيال ودخلوا الحياة العملية، أشعر بسعادة غامرة وأنا أحس بأنهم يعتبرونني صديقًا، بدليل أن عبير تناديني بـ”أبو الجعافر”، ثم صارت تشطح وتسمي أمها “أم الجعافر”، وإذا كانت غاضبة مني فإن مروة تخاطبني: جعفر عبااااس!

ولعل ما قوّى حبل الود بيني وبين عيالي هو أنني لست ديكتاتورًا على الدوام، أي أعطي نفسي سلطات ديكتاتورية فقط في أمور التربية الحاسمة. لعبت مع عيالي مونوبولي وليدو وسلالم وثعابين، ونينتندو وبلاي ستيشن، وكانت لعبتهم المفضلة معي المصارعة الحرة نمارسها على المراتب على الأرض، ويتخللها الضرب بالمخدات، بينما أم الجعافر تصرخ محتجة وتتهمنا بـ”تشليع البيت”.

كرمٌ من الله أن عشت حتى رزقت بالعيال ثم الأحفاد، وما زلت أقف على رجلي، وأسعى لـ”تكوين نفسي”، وما زال الليل طفلًا، والعمر 39 سنة، ولو كره الحاسدون، وماشين في السكة نمِد.

زر الذهاب إلى الأعلى