تقارير وتحقيقاتسلايدر

توقف تدفق النفط.. بداية موسم العجز في جنوب السودان

بقلم – أحمد بن عمر 

أعلنت وزارة الطاقة والنفط السودانية أواخر أكتوبر 2025 عن إيقاف فوري لعبور نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية، مع إغلاق المنشآت النفطية المشتركة في منطقة هجليج على الحدود بين البلدين, و جاء هذا القرار عقب سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة نُسبت إلى مليشيا الدعم السريع استهدفت منشآت حقل هجليج النفطي الحيوي, ووفقًا لوثائق رسمية، وجّه وكيل وزارة الطاقة السودانية بتاريخ 24 أكتوبر خطابًا إلى نظيره في جنوب السودان يُبلغ فيه بقرار الإغلاق الآمن التدريجيلمنشآت النفط المشتركة,وأشار الخطاب إلى استهداف منهجي للبنية التحتية للطاقةمن قبل مليشيا الدعم السريع، مما ألحق أضرارًا جسيمة بالمرافق التي تخدم البلدين وأدى إلى اشتعال النيران في خزانات الوقود وتعريض سلامة الفنيين للخطر.

وفي خطاب آخر بتاريخ 25 أكتوبر من شركة خطوط أنابيب بشاير (BAPCO) إلى شركة دار للبترول (DPOC) في جنوب السودان، طُلب من الأخيرة الشروع فورًا في ترتيبات الإغلاق التدريجي لعمليات الإنتاج والنقل، نظرًا للمخاطر الأمنية المباشرة التي باتت تُهدّد العاملين والبنية التحتية النفطية المشتركة في هجليج.

لم يكن هذا التطور مفاجئًا تمامًا؛ فقد سبقه تصاعد للهجمات على هجليج في 26 أغسطس، تعرضت منشآت الحقل لهجوم بطائرة مسيّرة أودى بحياة خمسة أشخاص وأصاب سبعة آخرين، وتبعه هجوم ثانٍ بعد أربعة أيام استهدف مطار هجليج المدني,إثر ذلك، حذّرت شركات النفط العاملة هناك مثل شركة خطوط الأنابيب PETCO وشركة B2 OPACO نظراءها في جنوب السودان من أنها قد تُضطر لوقف الإنتاج في حقول ولاية الوحدة الجنوبية إذا استمرت الاعتداءات,وأكدت تلك الشركات، في رسائل رسمية بتاريخ 30 أغسطس، أن سلامة الموظفين لها الأولوية القصوى، موضحة: “إذا استمرت الهجمات فسنُجبَر على بدء إيقاف الإنتاج”, وعلى الرغم من أن العمليات استمرت بشكل طبيعي في سبتمبر وأوائل أكتوبر، إلا أن استمرار التهديدات الأمنية المتصاعدة بلغ ذروته في أواخر أكتوبر بدفع الخرطوم لاتخاذ قرار الإيقاف الكلي كإجراء احترازي عاجل, وقد شددت السلطات السودانية على التنسيق مع الجانب الجنوبي لضمان إغلاق آمن ومنظّم؛ حيث حثّ خطاب وكيل الطاقة السوداني وزارة البترول في جنوب السودان على إصدار توجيهات مماثلة لشركاتها من أجل تعليق العمليات بشكل منسّق وآمن, وبالفعل، تم إخطار المشغّلين الميدانيين من الجانبين مثل شركتي دار للبترول وجنوب السودان الكبرى GPOC لبدء إجراءات إفراغ خطوط الأنابيب وإجلاء العاملين تدريجيًا إلى حين استقرار الأوضاع الميدانية .

الأهمية الاستراتيجية لهجليج والبنية التحتية المشتركة

تُعد منطقة هجليج النفطية واحدة من أهم مراكز إنتاج النفط لكل من السودان وجنوب السودان, فهي تحوي البنية التحتية المركزية لمعالجة نفط جنوب السودان قبل ضخه عبر خطوط الأنابيب إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر, وبحسب بيانات رسمية، كان السودان قبل اندلاع الحرب يستقبل ما بين 100 إلى 150 ألف برميل يوميًا من نفط جنوب السودان لتصديرها عالميًا، مما يعكس اعتماد جوبا شبه الكامل على الممر السوداني في شحن خامها. منذ استقلال جنوب السودان عام 2011، احتفظ السودان بحق فرض رسوم عبور مرتفعة على نفط الجنوب كتعويض عن فقدانه آبار النفط الجنوبية؛ ويشكّل هذا الترتيب شريانًا حيويًا لكلا الاقتصادين, كما تتقاسم الدولتان بعض المنشآت النفطية ومحطات المعالجة مثل حقل هجليج، الذي تم تطوير بنيته التحتية في تسعينيات القرن الماضي ويقع جغرافيًا على الحدود المتنازع عليها, وقد كان هجليج في السابق محورًا لخلافات ونزاعات حدودية وتعرض لإغلاقات مؤقتة في فترات التوتر السياسي بين الخرطوم وجوبا، إلا أنه حافظ على دوره المحوري كنقطة تجميع ومعالجة وتخزين للخام المنتج من كلا الجانبين, وتصف وزارة النفط السودانية هجليج بأنه مركز نفطي استراتيجي يُعالج وينقل النفط من البلدين، لذا فإن أي تعطل فيه يضرب في صميم مصالح البلدين المشتركة.

كيف يمكن ان تؤثر التداعيات المباشرة؟

تُعَدّ خطوة تعليق تصدير نفط جنوب السودان عبر أراضي السودان بَادرة خطيرة ذات آثار اقتصادية فورية. فالبلد الجنوبي يعتمد اعتمادًا شبه مطلق على عوائد النفط كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي، إذ تمثل هذه العوائد الغالبية العظمى من دخل الحكومة في جوبا فإن النفط يشكّل نحو 90 % من إيرادات الحكومة و من صادرات البلاد.

وعليه، فإن تعطّل نقل الخام عبر منشأة الاستقبال في هجليج وخطوط الأنابيب إلى الساحل يعني عمليًا حرمان جنوب السودان من المصدر الرئيسي لتمويل موازنته، مما يعمّق أزمته الاقتصادية التي تشهد شحًّا في السيولة وتعطّلاً في دفع رواتب الموظفين وافتقاداً للتأمينات الاجتماعية والخدمات العامة.

أما السودان، فلن يَنجُ من هذه الأزمة؛ إذ كان يستفيد من رسوم عبور النفط الجنوبي التي تُشكّل مصدرًا مهمًّا للعملة الصعبة في خزينته، وفق ما أشارت إليه دراسات محلية ودولية.

وضمن هذا السياق، وبما أن الإنتاج والتصدير نفت يُشخّصان بوصفهما العمود الفقري لكلا البلدين، فإن توقّفها مؤقتًا أو لفترة مطوّلة يُشكّل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار الاقتصادي والمالي في الإقليم بأسره.

ردود الفعل والتحذيرات

أثار استهداف هجليج ورد فعل الخرطوم بوقف النفط موجة ردود فعل رسمية وتحذيرات من التبعات الإقليمية لهذا التصعيد, الحكومة السودانية سارعت إلى إدانة هجمات مليشيا الدعم السريع على المنشآت النفطية، ووصفتها بأنها عمل غادر يهدد المصالح الوطنية, وذكر بيان لوزارة الخارجية السودانية في 30 أغسطس 2025 أن الحكومة قد تُضطر لأسباب أمنية إلى إيقاف العمل في الحقل وإجلاء العاملين حفاظًا على أرواحهم, وأضاف البيان أن اعتداءات الدعم السريع لم تعد تقتصر على الإضرار بالمصالح السودانية، بل تستهدف أيضًا مصالح دولة جنوب السودان والشركات الأجنبيةالعاملة في هجليج، في إشارة إلى أن هذه الهجمات لها ارتدادات عابرة للحدود.

على الجانب الآخر في جنوب السودان، يسود القلق في الأوساط الرسمية والشعبية من التداعيات الاقتصادية للإغلاق، وإن التزمت جوبا الصمت العلني حيال قرار بورتسودان نظرًا لحساسية الموقف, لكن منظمات المجتمع المدني وخبراء مستقلون عبروا عن مخاوفهم ودعواتهم للتحرك الدبلوماسي, المهندس ملوال أتيم، وهو أحد المسؤولين السابقين بوزارة النفط في جنوب السودان، لصحيفة (التيار) :” إنّ تواصل الاشتباكات في السودان يهدد بانقطاع شريان الطاقة الجنوبي الذي يمر عبر أراضي الشمال نحو الموانئ العالمية، موضحًا أنّ استمرار القتال في مناطق الإنتاج وخطوط العبور سيجعل البلاد أمام أزمة اقتصادية خانقة”.

وأشار أتيم إلى أنّ “النفط بالنسبة لجنوب السودان ليس مجرد سلعة تصديرية، بل هو العمود الفقري للموازنة العامة، محذرًا من أنّ تعطّل محطة هجليج أو المناطق المتصلة بها يعني تجميد المصدر الوحيد للعملة الصعبة في جوبا، وهو ما سينعكس فورًا على الخدمات والأسواق ومعيشة المواطنين”.

وفي تعليقه على الموقف السياسي، دعا أتيم حكومة بلاده إلى الابتعاد عن الاستقطاب العسكري الدائر في السودان، مشددًا على أن الانحياز لأي طرف سيجر جنوب السودان إلى صراعٍ لا مصلحة له فيه، وأنّ الأفضل هو تبنّي مبادرة وساطة تُبقي خطوط النفط آمنة وتعيد الثقة بين الفرقاء السودانيين.

كما لفت إلى أنّ جوبا تواجه ضغوطًا إنسانية واقتصادية غير مسبوقة بعد استقبالها أكثر من مليون لاجئ سوداني، في وقتٍ يعتمد فيه أغلب سكانها على الإغاثة الدولية, وأضاف أنّ تعليق الصادرات النفطية تحت هذه الظروف يعادل ضربة قاسية مزدوجة، محذرًا من أنّ الاقتصاد الجنوبي قد لا يصمد طويلاً إن لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإبعاد منشآت الطاقة عن دائرة الحرب وإعادة تشغيلها بأمان.

عودة توت قلواك مستشاراً , هل سيعيد النفط للجنوب؟

في ضوء هذا التصعيد الخطير، يُطرح تساؤل ملحّ: كيف يمكن حل أزمة وقف نفط جنوب السودان؟ أن إنهاء تعليق الصادرات النفطية يرتبط أساسًا بتحسّن الأوضاع الأمنية في السودان أو التوصل إلى ترتيبات خاصة لحماية البنية التحتية النفطية, ويعتمد ذلك على نجاح الجهود الدبلوماسية الإقليمية في وقف الحرب السودانية أو على الأقل تحييد المنشآت الحيوية عن دائرة الاستهداف, وقد دعت جهات دولية وإقليمية كافة الأطراف إلى احترام ممتلكات البنية التحتية المدنية وعدم استخدامها كورقة ضغط في الصراع, ويبدو أن حكومة جنوب السودان بدأت التحرك خلف الكواليس لتطويق الأزمة؛ إذ عرضت جوبا مرارًا القيام بوساطة في النزاع السوداني بحكم علاقتها الجيدة مع طرفي الصراع وكونها المتضرر الأكبر من استمراره, ويبرز هنا دور شخصيات قيادية تمتلك قنوات تواصل مع الخرطوم، وعلى رأسها مستشار الأمن القومي الجديد في جنوب السودان توت قلواك مانيمي, فالرئيس سلفا كير أعاد يوم 3 نوفمبر 2025 تعيين توت قلواك في منصب مستشار الأمن القومي بعد أن كان قد أعفاه منه في بداية العام,ويُعرف عن قلواك تمتعه بعلاقات وطيدة مع القيادات في السودان اكتسبها عبر سنوات من توليه ملفات التفاوض والتنسيق الأمني بين جوبا والخرطوم, وقد سبق أن قام برسائل ومهمات دبلوماسية، منها تسليمه رسالة من الرئيس سلفا كير إلى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان في الخرطوم ركزت على تعزيز التعاون المشترك بين البلدين, لذلك، فإن عودة قلواك إلى دائرة صنع القرار الأمني تُقرأ على أنها محاولة من جوبا للاستفادة من قنوات التواصل المفتوحة مع الخرطوم في إيجاد حل لأزمة النفط, و تأمل حكومة سلفا كير ن بأن يسهم تحرّك جوبا عبر مستشارها صاحب الخبرة والعلاقات في طمأنة الجانب السوداني ودفعه لإعادة النظر في قرار الإغلاق، ربما من خلال ترتيبات أمنية مشددة تضمن عدم تعرض خطوط النفط لهجمات جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى