د.أمجد سلمان يكتب : هرمونات والحبّ.. عَقدٌ من العلم والإنسان في منتدى الدوحة للغدد الصمّاء
في أمسيةٍ علميةٍ أنيقةٍ غمرتها الألفة والاعتزاز، احتفى منتدى الدوحة للغدد الصمّاء بمرور عشرة أعوامٍ على تأسيسه، ذلك المنتدى الذي أطلقه الدكتور طارق عبد الكريم الهد – استشاري أول الغدد الصماء في مؤسسة حمد الطبية بمستشفى الوكرة، حين وصل إلى قطر في العام 2014 قادما من بريطانيا التي تخصص فيها و أتى حاملاً معه شغف العلم وروح المبادرة.

منذ انطلاقته قبل عقدٍ من الزمان، شكّل المنتدى رئةً علميةً نابضة لتبادل الخبرات بين أطباء الغدد الصمّاء والسكري من مختلف المستشفيات، فكانت تُعقد محاضرات شهرية منتظمة لمناقشة أحدث التطورات في التشخيص والعلاج، واستعراض الحالات النادرة والمعقّدة، بمشاركة أطباء من تخصصاتٍ متداخلة، ما جعل المنتدى مدرسةً في الطب التكاملي وثقافة التعلّم المستمر.

وقد استلهم الدكتور طارق فكرته من تجربته مع البروفيسور ريتشارد كلايتون، الذي كان يشرف على اجتماع( تيرن هيل) العلمي بجامعة كيل ومستشفى نورث ستافوردشاير غرب مدينة بيرمنغهام بين عامي 1997 و2000، حين كان طبيبًا تحت التدريب التخصّصي، ثم عضويته في مجموعة داء السكري لمنطقة البلاد السوداء وهي مدينة برمنغهام الحالية التي عُرفت بهذا الإسم في ذروة الثورة الصناعية لكثرة غبار الفحم الحجري الذي كان يغطّي سماءها.

وفي الذكرى العاشرة لتأسيس المنتدى، جاء اللقاء مختلفًا في مضمونه وإشراقه، حيث إذ ابتدر الدكتور طارق الهد اليوم بمحاضرة عن عقار الروموسوزوماب الذي يستخدم في علاج هشاشة العظام مبينا أهمية التشخيص الدقيق و طرائقه و من ثم بروتوكولات اختيار العلاج اللازم و جرعاته المناسبة.
المحاضرة التي تلتها كانت من قبل د. ستيفن بير و هو استشاري أول للغدد الصماء من بريطانيا و زميل د. طارق الهد في نفس القسم. حيث قدم حالة طبية نادرة تسمى حالة نقص فعالية الألدوستيرون الكاذب وهو اضطراب نادر تحدث فيه مقاومة أنسجة الجسم لتأثير هرمون الألدوستيرون، رغم أن مستوياته في الدم تكون طبيعية أو مرتفعة. تظهر الأعراض عادة في مرحلة الطفولة المبكرة على شكل جفاف متكرر، انخفاض مفاجئ لضغط الدم، وضعف نمو. و المثير في الأمر أن المريضة ظهرت عليها أعراض مختلفة و متداخلة للمرض في العقد الرابع من العمر مما صعّب التشخيص و لكن ولحسن الحظ كان والد المريضة مستحضرا أن ابنته تم تشخيصها بتقلبات هرمونية في طفولتها الأمر الذي أسهم في توجيه دفة الأطباء للوصول الى التشخيص السليم ، خاصة و أنها حالة نادرة تحدث لمريض واحد بين 46000 شخص ، ومن الأخبار المحزنة التي سمعناها في المنتدى أن د. ستيفن بير سيغادرنا قافلاً إلى بلاده في مارس من العام القادم و لكن عزائنا أنه سيعود لأهله و أسرته بعد أن نهلنا من علمه و تواضعه الجم خلال السنوات العشرة الماضية.
بعد ذلك قدّم الدكتور الأريب الطيب عبد العزيز استشاري الغدد الصماء في مستشفى (ذا فيو) محاضرةً آسرة بعنوان:
«مبادئ الغدد الصماء.. حين يتحدث الحُب بلغة الهرمونات»
كانت المحاضرة رحلةً علميةً وإنسانيةً في آنٍ واحد، تنقّل فيها المحاضر بين الفسيولوجيا والمشاعر، بين الغدة النخامية والأميجدالا، ليكشف الوجه الإنساني لعلم الغدد الصماء.
بدأ الدكتور الطيب محاضرته بسؤالٍ تأمّليٍّ أثار اهتمام الحضور:
هل نحبّ بقلوبنا حقًّا، أم أنّ الحبّ يُولَد في الدماغ وتكتبه الهرمونات على صفحات الجسد؟
ثم أوضح أن الحبّ ليس مجرّد عاطفةٍ وجدانية فقط، بل عملية كيميائية–عصبية تتداخل فيها مجموعة من المواد التي تفرزها الغدد والجهاز العصبي معًا:
الدوبامين: يمنح النشوة ويقلّل التفكير النقدي.
السيروتونين: يخلق التعلّق والتفكير الوسواسي بالمحبوب.
الأوكسيتوسين والفازوبريسين: يُعزّزان الثقة والارتباط العاطفي طويل الأمد.
وبيّن أن هذه المنظومة الهرمونية تجعل الإنسان “ضحيةً سعيدةً للطبيعة”، إذ يتراجع المنطق أمام طغيان العاطفة، فتغدو المشاعر أقوى من الإرادة.
ثم تناول ما أسماه بـ “اختطاف الأميجدالا”
(Amygdala Hijack)
حين يتولى الدماغ العاطفي زمام القرار قبل أن يتاح للعقل التفكير، وهي الظاهرة التي تفسّر سلوك الإنسان في الحبّ والخوف والاندفاعات العاطفية.
بعد هذا المدخل الإنساني اللطيف، عاد الدكتور الطيب إلى جوهر تخصّصه ليشرح مبادئ علم الغدد الصمّاء، العلم الذي يحافظ على توازن الجسد الداخلي من خلال شبكة دقيقة من الغدد التي تنسّقها الغدة النخامية تحت إشراف المحور الوطائي–النخامي:
استعرض المحاضر بأسلوبٍ سلس العلاقة بين الغدد المختلفة:
الغدة الدرقية التي تتحكم في الإيقاع الحيوي والحرارة والطاقة.
الغدة الكظرية التي تُطلق هرمونات التوتر والمواجهة.
البنكرياس الذي يحافظ على توازن السكر عبر الإنسولين والغلوكاغون.
اختُتمت الأمسية بكلمات تقديرٍ للدكتور طارق الهد من قبل زميله الصديق الموهوب د. محمد بشير استشاري الغدد الصماء و الذي قدم إلى الدوحة من أيرلندا قبل حوالي العشرة سنوات أيضا و يعتبر من الأعضاء المؤسسين للمنتدى ، حيث أطنب في ذكر مآثر د. طارق الهد صاحب الفكرة والرؤية التي جمعت نخبة الأطباء في منتدى صار قبلة راتبة لزملاء المهنة في قطر . وقد أهدى زملاؤه إليه باقة امتنانٍ تقديرًا لجهوده المتواصلة في ترسيخ ثقافة البحث والحوار العلمي. و من نافلة القول أن د. طارق الهد قد رفد المكتبة السودانية بعدة كتب عن تاريخ الطب الحديث في السودان ترجمة و توثيقاً.
لقد أثبتت هذه المناسبة أن علم الغدد الصمّاء ليس حكرًا على المختبرات، بل يمتدّ إلى عمق التجربة الإنسانية، حيث تلتقي البيولوجيا بالعاطفة، والعلم بالفلسفة، والطبيب بالمحبّ.
فكما قال الدكتور الطيب: “الهرمونات ليست مجرد مواد كيميائية، بل هي لغة الحياة التي تكتب بها الطبيعة قصص الإنسان”.
بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
5 نوفمبر 2025
amjadnl@yahoo.com
Whatsapp 0031642427913






