صلاح البندر يكتب : بونا ملوال (1928–2025): الصحفي ورجل الدولة والمدافع القوي عن قضية الجنوب
بقلم – د/ صلاح البندر
توفي بونا ملوال مدوت، الصحفي والسياسي السوداني المخضرم الذي سخّر قلمه وقدرته على الإقناع لنقل قضية جنوب السودان من هامش السياسة السودانية إلى صدارة المشهد حتى نيل الاستقلال، عن عمر ناهز الثامنة والتسعين، وفق ما أكده أفراد من أسرته يوم الأحد.

برحيله، تُطوى صفحة من تاريخ امتد من الحرب الأهلية السودانية الأولى، مروراً باتفاقية أديس أبابا للسلام عام 1972، وصولاً إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005، ثم استقلال جنوب السودان عام 2011.
وأكد أحد أقاربه – طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم حصوله على تفويض بالتصريح – خبر الوفاة لإذاعة تمازج، في حين لم يصدر أي بيان رسمي من الحكومة بعد. ولم يتسنّ التواصل فوراً مع نجله أكوي بونا ملوال، نائب وزير الخارجية في جنوب السودان. وأُفيد بأن الترتيبات الخاصة بالتشييع ستُعلن في وقت لاحق.
وُلد بونا ملوال عام 1928 في بحر الغزال، وينتمي إلى منطقة تويج بولاية واراب. وكان من أوائل السودانيين الذين درسوا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نال درجات علمية من جامعة إنديانا وجامعة كولومبيا. أما والده الراحل السلطان مادوت رينغ، فكان الزعيم الأعلى لمجتمع أجاك كواج – وهي زعامة ورثها بونا روحاً ومضموناً، لكنه أعاد صياغتها في إطار القيادة الحديثة في الفضاء العام.
بدأ مسيرته صحفياً ومحرراً، فأسس صحيفة ذا فيجيلانت (The Vigilant) ولاحقاً الغازيتة الديمقراطية السودانية (Sudan Democratic Gazette)، وهما منابر حملت في بداياتها راية الدفاع عن حقوق أبناء الجنوب، قبل أن تتحول إلى مناداة صريحة بحق تقرير المصير.
وبعد اتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي أنهت الحرب الأهلية الأولى، انضم إلى الحكومة وزيراً للثقافة والإعلام بين عامي 1973 و1978، مؤمناً بأن التمثيل لا يتحقق بالسياسة وحدها بل يحتاج إلى منبرٍ وصوتٍ حر.
وعقب انقلاب عام 1989 الذي أوصل الإسلاميين إلى الحكم في الخرطوم، غادر ملوال إلى المنفى في بريطانيا، حيث واصل نشاطه الصحفي والسياسي من هناك. وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، عاد إلى السودان وتولى منصب المستشار الرئاسي للرئيس آنذاك عمر البشير، حتى قيام دولة جنوب السودان عام 2011.
ورغم مواقفه الجدلية أحياناً، ظل ملوال صوتاً ثابتاً يدافع عن حق الجنوب في الحكم الذاتي ثم في الاستقلال، محذراً في الوقت ذاته من الفساد والانقسام الداخلي الذي قد يهدد كيان الدولة الوليدة.
وفي عام 2017، لعب بونا ملوال دوراً محورياً في الحوار الوطني في جنوب السودان، وهي مبادرة رئاسية هدفت إلى لمّ شمل البلاد بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2013.
وبصفته عضواً في اللجنة التوجيهية، دعا إلى تحقيق المصالحة بالحوار والإنصات لا بالسلاح. وقال في كلمة له أمام مؤتمر عام 2018:
“إن الحوار بين أبناء شعبنا هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم.”
وقد قاطعت فصائل المعارضة الرئيسية – ومن بينها فصيل رياك مشار – ذلك الحوار، منتقدةً إياه باعتباره موجهاً من الحكومة، وهو جدلٌ قبله ملوال بوصفه ثمناً لا بد من دفعه لمحاولة فتح نقاش وطني شامل.
بدأت الإشادات تنهمر على وسائل التواصل الاجتماعي فور انتشار خبر وفاته. فقال أتينج ويك أتيـنج، المتحدث الرئاسي السابق:
> “فقدت جنوب السودان موسوعة الحكمة والمعرفة – العم بول ملوال مادوت رينغ، الرجل الذي حقق ما لم يجرؤ كثير من معاصريه على الحلم به. التقيته لأول مرة عام 1978، عندما كنت فتى في رابطة شباب حزب الجبهة الجنوبية، وجاء لزيارة عمي الراحل الدكتور لورنس لوال لوال أكوي في أويل. كان ودوداً وملهماً.”
وظل ملوال فاعلاً في الحياة العامة حتى سنواته الأخيرة، صحفياً قلقاً في ثوب سياسي، محذراً من أن المؤسسات لا تقوم على أرضٍ صلبة إذا أصبحت الحقيقة قابلة للمساومة، وأن الوحدة ليست شعاراً يُرفع بل انضباطٌ يُمارس.
وعلى الصعيد الشخصي، يقول كاتب هذه السطور:
“لقد حظيت بشرف العمل معه محرراً في صحيفة الغازيتة الديمقراطية السودانية، وتعلمت الكثير من صفائه السياسي والتزامه العميق بالعدالة.”






