آراء ومقالات

عبدالحميد عوض يكتب: معمر إبراهيم.. ليس مجرما

لم يكن الزميل معمر ابراهيم متعاونا فقط مع قناة الجزيرة، بل كان متعاونا مع كل وسائل الإعلام المحلية والعالمية، حيث وضعته الأقدار كواحد من الصحفيين القلائل الذين صمدوا في فاشر السلطان رغم شلالات الدم والدموع ورغم الجوع والمسغبة. فمعمر، الذي عرفنا أنه ما أن تطلب منه معلومة أو تريد منه تأكيد أخرى أو نفيها، حتى يستجيب بالسرعة اللازمة وبكل أريحية وطيب خاطر، ولو أن فيه شيء من البخل أو حبنا العادي للسبق الصحفي، لحاز على القصص كلها لنفسه.

قالت لجنة حماية الصحفيين، السبت، إنها تلقت تقارير موثوقة تفيد باختفاء 13 صحفيًا وتعرض ثلاث صحفيات على الأقل للاغتصاب خلال الهجوم الأخير الذي شنّته قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.
معمر موسى أرشيف

وفي واحد من قروبات الواتساب التي تجمعنا كصحفيين، وهو قروب هدفه تبادل المعلومات الخاصة بتغطية الحرب، ظل معمر ركن ركين لهذا القروب، حيث كنت شخصيًا، وحينما كنت أعمل مراسلا، انتظر تحديثاته التي غالبا ما تكون على رأس كل ساعة عن أوضاع الفاشر الجريحة، أقال الله عثرتها وعثرة أهلها وردهم إليها سالمين آمنين.

بدخول الدعم السريع للمدينة، ألقت القبض على معمر الذي لم يكن يحمل سلاحًا غير أدوات عمله، وربما تكون أدواته في تلك اللحظة هي هاتفه الذكي، وحسه الصحفي وبقايا قصص لم يتمكن من التقاطها.

أسوأ ممارسة عرفتها حرب السودان هو تصوير المعتقلين والمحتجزين قسريًا والأسرى في لحظات ضعفهم ونشرها على الملأ، وهذا ما حدث مع معمر، لكنه أظهر قوة وجسارة لا مثيل لها، وحاول بقدر الإمكان أن يوزن كلماته ويضع مجموعة من الرسائل في البريد.

وحوصرت الدعم السريع بالأسئلة عن مصير معمر، فخرج الفاتح قرشي، المتحدث باسم الدعم، اليوم وفي معيته زميلنا معمر في مقطع فيديو جديد، وفيه كلمنا قرشي عن أن “جريرة” معمر التي يدفع ثمنها هي عدم الحياد والانحياز للجيش، والدليل عند قرشي ليس تغطيته الصحفية إنما صفحته في فيسبوك. ومن حيث لا يدري أو لا يدري، أدان القرشي نفسه وكتب شهادة براءة لمعمر وتغطيته الصحفية، لأن الصفحة في الفيسبوك هي منبر شخصي ينشر فيه “الزول” ما يريد ويعبر فيها عن رأيه كما يشاء.

وقرشي والدعم السريع عامة، التي أصمت آذاننا بالديمقراطية التي تزعم القتال من دونها، يتناسى أن حرية التعبير حق أساسي ضمن حقوق الإنسان، وهو مبدأ فوق الدستور، ومن حق معمر وغيره أن يتخذ ما شاء من مواقف سواء بالانحياز للجيش أو غيره، فليس هناك قانون يمنعه من ذلك، إلا قانون الغاب الذي تمارسه الدعم السريع في حلها وترحالها.

وبمنطق الحرب كواقع فقط، لا يمكن لأي طرف أن يحتجز صحفيًا أو غير صحفي، إلا إذا كان مسلحًا، لكن ما دام يعبر عن نفسه بصورة سلمية، فلا حق لكم يا قرشي في احتجازه.

مطلوب من الدعم، اليوم قبل الغد، إطلاق سراح الزميل معمر إبراهيم دون ابتزاز واستغلال ظرفه الإنساني، فإطلاق سراح معمر حق وليس منحة أو تفضل أو نبل مزعوم.

كامل التضامن مع معمر، فمهنتك ليست جريمة وتعبيرك عن رأيك ليس جريمة.

زر الذهاب إلى الأعلى