ما وراء الخبر – محمد وداعة يكتب : الفاشر… وحديث الهدنة
أحد الأسرى في قبضة الأوباش أجاب على استفزازهم بأنه “جاهز لكل شيء”. كان صوته ثابتًا، ويبدو على وجهه اليقين. صُفيَ بدم بارد. أكوام من الجثث بعضها فوق بعض، حصدها المجرم أبولولو. لم يصرخ أحد ولا يتأوه من الألم؛ كانت آخر كلماتهم: «الله أكبر». جرائم الإبادة لم تترك شيخًا ولا طفلًا ولا امرأة. الإحصاءات تتحدث عن ستة آلافِ حصيلةٍ أوليةٍ للمغدورين حتى اليوم التالي لسقوط الفاشر، ولم تتوقف التصفيات للمختبئين أو الفارين حتى كتابة هذه السطور. لقد سجّلت الفاشر فصلًا من الصمود والبطولة تقشعر له الأبدان في إهدار الحياة ومقاومة الخضوع ورفض الذل والانكسار.
في وقتٍ سابق، وفي ما يمكن تسميته «بزلة لسان»، قال مبعوث الرئيس الأمريكي إلى أفريقيا، السيد مسعد بولس، إن الطرفين تربطهما علاقات جيدة مع إسرائيل، وفي زلةٍ أخرى قال إن سقوط الفاشر يفتح الطريق للتفاوض. وهو قول يفسّر الأخطاء المتكررة التي تقع فيها الإدارة الأمريكية تجاه السودان. قرن السيد بولس ذلك بالدعوة إلى هدنة قد يظنّ أنها ستُقبل بعد خسارة الفاشر. والحقيقة أن هذا الاستنتاج خاطئ تمامًا؛ فما من أحد سيقبل هدنة بعد المجازر والتصفيات التي حدثت في الفاشر بالكيفية التي يتحدث عنها السيد بولس. ومعلوم أن أي هدنة ستكون لصالح الميليشيا المجرمة في إعادة ترتيب أوضاعها العسكرية استعدادًا للعدوان على مناطق ومدن أخرى ما لم تُقَدَّم إجراءات وقرارات رادعة.
في تصرّفٍ غريبٍ معلوم الهدف، قامت الميليشيا بتوثيق جرائمها وبثها للعالم. تظن الميليشيا أن الإسراف في قتل المدنيين قد يدفع العالم للتدخل بما يضعها على طاولة التفاوض ويفرض وجودها السياسي كأمر واقع، وهو تصور خاطئ. مجلس الأمن لا يمكن أن يمرّر مثل هذا القرار، وإذا حدث تدخل بقرار خارج مظلة مجلس الأمن فلا شرعية له، ويُستبعد حدوثه. ولا يقلّ احتمال أن تُدفع الكارثة الإنسانية إلى مستويات تُحذّر من المجاعة عن مشروعية التدخل الدولي بقرار أممي.
إذا كانت الإدارة الأمريكية جادة في الحديث عن الهدنة، فهناك خطوات ضرورية لتكتسب هذه الدعوة مصداقية، ومقدّمتها: تحقيق حظرٍ فوري لتزويد الميليشيا بالسلاح والعتاد، وتطبيق القرار الأممي رقم (1591) وإلزام الإمارات بذلك بصورة واضحة، وسحب المرتزقة وإيقاف التجنيد، وتطبيق البنود المضمنة في اتفاق جدة، والانسحاب الفوري للميليشيات من المدن والقرى التي احتلتها. وأي هدنة لا تُحقق ذلك تعني الانصياع والهزيمة.
3 نوفمبر 2025م






