خالد سيد أحمد يكتب : الدلالات القانونية والسياسية لحكم المحكمة الجنائية الدولية في قضية علي كوشيب

بقلم: خالد سيدأحمد – محامٍ وباحث في مجال العدالة الانتقالية
في أكتوبر 2025، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكمها التاريخي بإدانة محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ(علي كوشيب)، أحد أبرز قادة ميليشيا الجنجويد في دارفور، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الصراع المسلح في الإقليم مطلع الألفية. ويُعدّ هذا الحكم أول قرار يصدر بشأن جرائم دارفور منذ أن فتحت المحكمة تحقيقاتها عام 2005، مما يمنحه أهمية خاصة في سجل العدالة الدولية.
يمثّل هذا الحكم خطوة فارقة في مسار العدالة الدولية، ليس فقط لكونه أول حكم يصدر بشأن جرائم دارفور، بل لأنه يُعيد الاعتبار لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويؤكد قدرة القانون الدولي على ملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة مهما طال الزمن. إن صدور الحكم بالإجماع من هيئة المحكمة يعكس قوة الأدلة ووضوح القناعة القضائية بأن ما وقع في دارفور كان نمطًا منظّمًا من الانتهاكات الواسعة ضد المدنيين، ويعيد تسليط الضوء على معاناة الضحايا الذين طال انتظارهم للإنصاف.
من الناحية القانونية، يُكرّس هذا الحكم سلطة المحكمة في ملاحقة الأفراد المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية عندما تعجز الأنظمة الوطنية عن ذلك، كما يعزّز سوابقها القضائية في مجال المسؤولية الجنائية الفردية الدولية ومسؤولية القادة العسكريين عن الأفعال التي ارتُكبت تحت إشرافهم أو بعلمهم.
أما من الناحية السياسية، فيحمل الحكم رسالة بالغة الأهمية إلى المجتمع الدولي مفادها أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعوب في محاسبة الجناة يمكن أن تجد سندها في مؤسسات العدالة الدولية متى ما توفرت الإرادة والتعاون. كما يشكّل الحكم تذكيرًا للدول المعنية، وفي مقدمتها السودان، بأن العدالة الدولية ليست بديلًا عن العدالة الوطنية، بل محفزًا لإصلاحها وتفعيلها بما يحقق العدالة لضحايا النزاعات.
ويُتوقّع أن تُسهم هذه السابقة القضائية في تحريك ملفات أخرى متصلة بجرائم دارفور، وأن تُعيد فتح النقاش حول ضرورة التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم بقية المطلوبين، بما يحقق العدالة الكاملة للضحايا.
وعليه، فإن قضية علي كوشيب ليست خاتمة المسار، بل تمثل بداية مرحلة جديدة في مسار العدالة الانتقالية السودانية، تُبنى على الاعتراف بالضحايا، والمساءلة، والإصلاح المؤسسي لضمان عدم تكرار المأساة، بما يرسّخ أسس السلام والتحول الديمقراطي في السودان.
عن الكاتب:
خالد سيدأحمد – محامٍ وباحث في مجال العدالة الانتقالية، حاصل على درجة الماجستير في القانون، وكان بحثه التكميلي بعنوان “العدالة الانتقالية وأثرها في إرساء دعائم السلام والتحول الديمقراطي.”






