حيدر الفكي يكتب : السلام إرادة وقادة
منذ فجر الإنسانية وإلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم ولن تكون الحرب خيارًا عاقلًا، ولم تحقق الحروب على امتداد التاريخ إلا الدمار والتشريد والذل والمهانة. وأنا أعني هنا الحروب الداخلية داخل المجتمع الواحد، التي تفكك نسيجه وتخلق الكراهية، ولها تبعات لا تُحصى ولا تُعد. كما أنه من المؤكد أنه لن تنتهي حرب بانتصار طرف، مهما كان ضعف الطرف الآخر، والتاريخ شاهد على ذلك، والأمثلة كثيرة.
تنتهي الحروب عندما يعود الناس إلى رشدهم بعد أن يروا بأم أعينهم حجم الدمار والكوارث. وهذا لا يحدث إلا عندما تتوفر الإرادة الحقيقية والقوية، مع وجود قادة على درجة عالية من الشجاعة واتخاذ القرار، مهما كان نفوذ المعارضين من أنصار الحرب. فالحرب يشعلها أصحاب المصلحة، ويوقفها أصحاب القرار. كما لا يمكن أن يقود جناح السلام متردد أو ضعيف الشخصية.
وعليه، تنتهي الحرب بأمر التفاوض بين أطرافها، لا بأمر البندقية والسلاح. والشاهد على ذلك ما تعيشه بلادنا من حربٍ ضروس قضت على الأخضر واليابس، وشردت الناس، وأذلت وأهانت الشعب داخليًا وخارجيًا لقرابة ثلاث سنين عجاف، ولم تستطع آلة الحرب حسم الموقف لأيٍّ من الطرفين، ولا يزال قطافها كل السوء على كافة المستويات.
التفاوض لا يعني بأي حالٍ من الأحوال الهزيمة أو الانكسار كما يروّج له أنصار الحرب، الذين يجدون ضالتهم في قصور فهم البعض، ويتلاعبون بالعواطف. كما ذكرتُ، فإن قرار وقف الحرب يحتاج إلى قرارٍ بالعقل، لا بالمشاعر العاطفية.
وأذكّر مرارًا وتكرارًا بأن المستفيدين من الحرب هم من يزكون نارها، وهم مستفيدون على مستوى الوجود السياسي وعلى مستوى النفوذ الاقتصادي. فإذا انتهت الحرب، فسيفقدون نفوذهم وسيطرتهم على مفاصل الدولة المتهالكة، ولا يهمهم ذلك أبدًا، لأن وجودهم مرتبط ارتباطًا مصيريًا بطول أمد الحرب، ووجودهم في أدبياتهم أهم بكثير من الدولة والشعب.
والدليل البيِّن على ذلك ما جاء في خطاب المخلوع عمر البشير عندما ذكر، في أحد خطاباته وبصريح العبارة، دون أن يرمش له جفن، أن هذه الدولة دولة “الاتجاه الإسلامي”. وأنصار الحرب اليوم هم امتداد طبيعي لهذا الفكر الشاذ، لذلك فالدولة والشعب في مفهومهم “صفرٌ كبير” في أقصى ناحية الشمال! فالأمر بالنسبة لهم مسألة وجود: يكونون أو لا يكونون. ولذلك تجد هناك استماتة في دعم الحرب، وهذا واضح في خطابهم وفعلهم على الأرض. مالكم كيف تحكمون؟!
على خلفية ذلك، ظهر حراكٌ إقليمي ودولي في شكل مبادرة “الرباعية”، وأظهر جدية غير مسبوقة في محاولة وقف الحرب. ويبدو أن نجاح مبادرة غزة قد فتح شهية الفاعلين الدوليين والإقليميين للتعامل بجدية مع ملف حرب السودان. أضف إلى ذلك الرغبة العالمية في وقف الحرب للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، لأن هذه الحرب ألقت بظلالها على دول التماس، وبالتالي أصبح تمددها واردًا على مساحة أوسع من الإقليم.
وفي هذا السياق، كانت هناك جولات سرية وعلنية مع البرهان، بدأت بزيارة سرية إلى سويسرا، حيث التقى مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس لبحث وقف الحرب، وتمت تفاهمات وترتيبات. ثم جاء لقاء القمة في القاهرة بين البرهان والسيسي في منتصف هذا الشهر (أكتوبر)، وكان واضحًا ووضع النقاط على الحروف، وظهر ذلك من خلال بيان وزارتي الخارجية في كلٍّ من مصر والسودان.
لكن ذلك لم يُعجب معسكر الحرب في الداخل من أنصار البرهان. حاول البرهان، كعادته، بعد عودته، تطمين أنصار الحرب عندما بعث برسالة مزدوجة حمّالة أوجه، من خلال كلمةٍ ألقاها في مناسبة عزاء. ففي شقها الأول قال إنه لا تفاوض حتى من خلال الرباعية، لكنه واصل في ذات السياق وأكمل شقها الثاني بأنه مع السلام الذي يحفظ كرامة ووحدة السودان من أي جهة كانت.
الأمر هنا لا يحتاج إلى كثير من الحصافة أو العصف الذهني لاستنتاج توجه البرهان، فقد حسم أمره باتجاه خيار السلام، وتمت الترتيبات في قمة القاهرة في اتجاه مبادرة الرباعية، التي سيجتمع أطرافها في أواخر أكتوبر الحالي لتفعيل المبادرة وبداية المشوار.
لكن ما يُؤخذ على البرهان أنه يطرح قضايا مفصلية في شكل خطابات عابرة في المناسبات، وخاصة في سرادقات العزاء، ويتحدث معبرًا عن أشواق التيار الداعي لاستمرار الحرب. هذا الخطاب موجَّه للعوام لاستدرار العواطف، علمًا بأن قادة تيار أنصار الحرب يدركون حقيقة خطاب البرهان المرحلي، ويتفهمون انحناءه للعاصفة، لكنهم لن يتفهموا توجهه نحو السلام الفعلي، وسيعملون على وضع العراقيل بكل السبل.
ومع ذلك، أراهن بأن المنتصر هو خيار السلام، وسيبقى ما ينفع الناس، وهذه سنة كونية ماضية. وهناك نقطة مهمة جدًا، وهي أن السلام لا بد أن يحفظ كرامة السودان ووحدة أراضيه، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، لأنه يمثل تأسيسًا لدولة قوية على مستوى البنية السياسية والمجتمعية والاقتصادية، ووضع اللبنة الأولى للتحول المدني الديمقراطي المستدام.
همزة وصل
هي روحٌ مُتعبة بفوضى الجسد، مُنهكة بفكر العقل ووعي السؤال.






