سلايدرمنوعات وفنون

«صفوت الجيلي».. الصوت الذي أُسكت قسرًا

الخرطوم – علاء الدين عبدالله

في بلدٍ تمزقه النيران منذ أبريل 2023، صار الغياب لغةً جديدة للحياة. آلاف السودانيين يختفون كل يوم خلف خطوط القتال، بلا أثر، بلا اسم، بلا صوت. لكن بعض الغياب يوجع أكثر من غيره. فحين اختفى الفنان صفوت الجيلي، بدا وكأن جزءًا من ذاكرة السودان الفنية قد انطفأ فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه سوى الأسى والأسئلة.

في 29 أكتوبر 2024، اقتحمت قوة مسلحة يُعتقد أنها تتبع لقوات الدعم السريع منزل صفوت في حي الحاج يوسف شرقي الخرطوم. دقائق معدودة كانت كافية لتبدّل حياة شابٍ في أوج عطائه. منذ تلك اللحظة، لم يُر الجيلي مرة أخرى، ولم تُسمع منه كلمة واحدة.

قلق عائلي

عامٌ كامل مضى والأسرة لا تعرف إن كان صفوت حيًا أم من بين ضحايا الحرب الذين لا تُكتب أسماؤهم في القوائم. يقول أحد أقاربه في حديثٍ مقتضب: لم نتلق أي اتصال، لا نعلم شيئًا عن مكانه أو مصيره. فقط نريد أن نعرف أين هو. تتناقل بعض الشائعات أنه نُقل إلى مدينة نيالا، بينما أخرى تقول إنه محتجز في موقعٍ سري بالخرطوم. لكن الأسرة، التي أرهقها الانتظار، تؤكد أن كل ما يُتداول ليس سوى إشاعات تبقيهم بين الأمل واليأس.

اختفاء يختزل مأساة وطن

قصة صفوت ليست سوى واحدة من مئات القصص التي تمزج بين الخوف والصمت واللامبالاة. منظمات حقوقية سودانية ودولية وثّقت تزايد حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي منذ اندلاع الحرب، لكنها لم تتمكن من تحديد العدد الحقيقي للمفقودين بسبب غياب جهة رسمية مستقلة للتقصي أو المحاسبة.

من المسرح إلى الزنزانة

صفوت الجيلي لم يكن مجرد مغنٍ عابر في موجة الغناء السوداني الجديد. كان صوتًا يعبّر عن جيلٍ كامل فقد بوصلته بين الحرب والسياسة واليأس. أغنياته عن السلام والحرية والكرامة جعلت منه رمزًا اجتماعيًا، وصوتًا مقلقًا لسلطاتٍ اعتادت أن تخاف من الكلمة أكثر من الرصاصة.

تضامن شعبي

منذ اختفائه، لم يتوقف التضامن الشعبي. إعلاميون، فنانون، وناشطون سودانيون أطلقوا حملة إلكترونية ضخمة تطالب بالكشف عن مصيره. تحولت صورته إلى رمز للمختفين قسرًا، وإلى وجهٍ يُذكّر بأن الحرب لا تقتل فقط بالجوع أو القنابل، بل أيضًا بالاختفاء والصمت.

صمت رسمي وغضب يتصاعد

رغم المناشدات، لم تصدر أي جهة رسمية بيانًا يوضح ملابسات اعتقاله أو مكان احتجازه. ذلك الصمت الرسمي يُشعل الغضب في الشارع الثقافي السوداني، الذي يرى في اختفاء صفوت اغتيالًا للفن في بلدٍ يعيش على حافة الانهيار.

نهاية مفتوحة

بينما تتواصل الحرب وتُزهق الأرواح، يظل اسم صفوت الجيلي حاضرًا كرمزٍ لوجهٍ آخر من مآسي السودان. وجه يختصر معنى الفقد والانتظار، ويُذكر بأن الموسيقى التي أراد بها أن يوحد القلوب، صارت سببًا لاختفائه.

ربما سيعود صفوت يومًا، وربما سيبقى الغياب هو كل ما تبقى منه. لكن صوته المسجّل في وجدان السودانيين يظل شاهدًا على زمنٍ صار فيه الفن مقاومة، والاختفاء قدرًا.

زر الذهاب إلى الأعلى