آراء ومقالاتسلايدر

د. أمجد سلمان يكتب : الملتقى الطبي السوداني: بذور الإتقان

 الطب ليس علماً يُدرّس فحسب، بل رسالة تُؤدّى، وهمٌّ يُتقاسَم 

في صباحٍ قطريٍّ مفعمٍ بالضياء، كان مركز إتقان للمحاكاة السريرية يحتضن العقول قبل أن يحتضن الأجساد. هناك، حيث تتقاطع الممرات البيضاء مع الطموح الإنساني، وتهتف الأسماء بأحلام وطنٍ متعبٍ لكنه لا ينكسر.

انعقد الملتقى الطبي الثالث لرابطة الأطباء السودانيين في قطر ليؤكد أن العلم يمكن أن يكون جسرًا من الدوحة إلى الخرطوم، ومن الممارسة اليومية إلى الآفاق البحثية الرحبة.

اليوم الأول: ورش الإتقان وبذور التجديد
بدأ النهار باكرًا، يخطو على سجادٍ من التنظيم والدقة، حيث توزعت الورش كحقولٍ صغيرةٍ من المعرفة، تنمو فيها المهارات وتزدهر فيها الثقة.

لم تكن الورش مجرد حصص تدريبية، بل جلسات إنعاش للعقل والضمير المهني معًا — يتشارك فيها الأطباء وأطقم التمريض والتغذية والنفسية في حوارٍ مهذبٍ حول إنسانٍ واحد هو المريض.

تناول الحضور قضايا الأخلاق والمهنية، وتداخل التخصصات، والتغذية العلاجية، وصحة الفم، ودمج الصحة النفسية، وتطوير مهارات العرض والبحث، كأنهم يعيدون رسم خريطةٍ للرعاية المتكاملة التي لا تفرّق بين القلب والعقل ولا بين الجسد والروح.

وكانت ورشة الكتابة العلمية لحظة إلهامٍ خاصة، إذ أيقظت في البعض حلم التوثيق العلمي وأكدت أن “من يكتب يبقى”، وأن الطبيب الباحث هو من يترك أثره في العقول لا في السجلات فحسب.
وفي الممرات الجانبية، كانت الضحكات تختلط بنقاشات علمية عميقة، وكأن روح الزمالة السودانية التي حملها الأطباء معهم إلى الدوحة، وجدت موطئها هناك — أكثر دفئًا وإنسانية.

اليوم الثاني: من المختبر إلى المنصة
وفي اليوم التالي، تبدّل المشهد دون أن يتغيّر الجوهر. ارتدت القاعة الكبرى حُلّة المؤتمر، فكانت الكلمات أشبه بخيوط ضوء تمتدّ بين مقاعد الحضور.
جلساتٌ علمية متتابعة تطرقت إلى قضايا الصحة العامة، والذكاء الاصطناعي في الطب، والرعاية الافتراضية، والتحديات العلاجية المعاصرة، إلى جانب عروضٍ مختصرةٍ لأبحاثٍ واعدةٍ في الجينوم والميكروبيوم والطب الترجمي.

لكن اللافت في هذا اليوم كان المشهد العلمي المتقدّم الذي أدارته اللجنة الأكاديمية للمؤتمر، حيث تمّ تحكيم خمسين ورقة علمية شارك بها باحثون من مختلف المستويات والتخصصات، عكست جميعها جدية الحراك البحثي داخل الرابطة وحرصها على ترسيخ ثقافة النشر العلمي الرصين.

وقد فاز بالمركز الأول بحثٌ متميّز حول تأثير الذكاء الاصطناعي في توثيق الملفات الصحية، نال به ثلاثة من شباب الأطباء السودانيين جائزة التميز الأكاديمي، فكان فوزهم رمزًا لجيلٍ جديدٍ يزاوج بين المعرفة الطبية والتقنية الحديثة، ويثبت أن المستقبل يكتب بلغة العلم والإبداع.

ما وراء الجدران
لم يكن الملتقى مجرد حدثٍ أكاديمي، بل لوحةٌ من الانتماء المهني والوطني. فقد تداخلت فيه الخبرات مع الحنين، والعلم مع الذاكرة، والبحث مع المسؤولية.

وفي ختام اليوم الثاني، حين صدحت كلمات الشكر وارتفعت الأكف بالتصفيق، كان الجميع يدرك أن هذا الجهد ليس غايةً في ذاته، بل خطوة أخرى على طريقٍ طويلٍ من البناء، يمرّ عبر العقول لا المعاول.

وهكذا خرج الملتقى من بين جدران مركز إتقان، لا كذكرى في تقويم، بل كنبضٍ جديد في جسد رابطةٍ لا تكلّ، وعهدٍ متجددٍ بأن يبقى الطبيب السوداني حيث يجب أن يكون: في الصف الأول من معركة الوعي والعطاء.

بين المؤتمر الذي نظمته الرابطة في اليومين السابقين و الذي ارتاد آفاق التطور العلمي للطب في المستقبل و بين مؤتمر العام الماضي الذي عني بالممارسة الطبية في مرحلة شح الموارد المالية لا زالت تتردد في أذني كلمات نائب رئيس الرابطة الدكتور عثمان أورتشي استشاري النساء و التوليد و التي قالها في الكلمة الختامية للمؤتمر السابق بعد الاطلاع على ما تم تحقيقه على أرض السودان أثناء لوثة الحرب و رغما عن شح الموارد حيث قال: “لقد أثبتنا لكل العالم أننا شعب مقاوم أو كما قال الفنان محمد وردي في رائعة الشاعر الدبلوماسي الملهم محمد المكي إبراهيم:

جيل العطاءِ لك البطولاتُ الكبيرةُ والجراحُ الصادحهْ
ولك الحضورُ هنا بقلب العصر فوق طلوله المتناوحهْ
ولك التفرّد فوق صهوات الخيول روامحا

جيل العطاءْ…
أبداً يزلُّ المستحيل لعزمنا .. وسننتصرْ
وسنبدعُ الدنيا الجديدةَ وفقَ ما نهوى
ونحمل عبءَ أن نبني الحياة ونبتكرْ.

بقلم أمجد إبراهيم سلمان
السبت 18 أكتوبر 2025
كتب هذا المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام اقتباسات من مقالات سابقة للكاتب

زر الذهاب إلى الأعلى