عبدالله علي إبراهيم : التي لم تأت بالشرعية: يد الحزب الشيوعي للرباعية الإمبريالية لا حكومة “الكوزنة” في بورتسودان (2-2)
ملخص
(حفل بيان أخير للحزب الشيوعي ببرنامج عن حكومة قادمة بعد السلام المنتظر على يد الرباعية. وجاء فيه أن تعنى الحكومة بالفاقد التربوي جراء الحرب. ولو أرق الحزب هذا الفاقد التربوي لما خرجت نقابة المعلمين التي له نفوذ فيها تحتج على حكومة الأمر الواقع في بورتسودان حين عقدت في ديسمبر عام 2024 امتحانات الشهادة الثانوية المؤجلة بسبب الحرب في مناطق سيطرتها، بل استقبلت قاعات امتحاناتها آلاف الطلاب من مناطق “الدعم السريع” وتكفلت بترحيلهم واستضافتهم. وانتقدت النقابة الحكومة وقالت إن عقد تلك الامتحانات هو مجرد “بوليتيكا” تريد بها الحكومة القول افتراء إن زمام الأمر بيدها. بل ذهبت النقابة إلى اتهام الحكومة بالتدبير لفصل السودان لأنها، بعقد الامتحان ضمن ولاياتها، حرمت الآخرين في غير نطاقها، مما سيغبنهم غبناً يكرهون به وحدة السودان).
لم نسمع عن السودان منذ عامين ونيف خبراً في بشارة خبر تقرير منظمة الهجرة الدولية. فجاء ضمن تقرير أخير عودة أكثر من مليوني نازح داخلي وخارجي بسبب تحسن الأوضاع الأمنية بين الـ11 من نوفمبر عام 2024 وأغسطس الماضي، وهي الفترة التي ترافقت مع استرداد القوات المسلحة لولايات الجزيرة وسنار والخرطوم. وهذا أمن استظلت بالحرب به جمهرة فارعة لم يقع لمن طلبوه من دونها.
ثار القول عن شرعية الحكم في السودان في أعقاب إعلان قوات “الدعم السريع” لحكومتها في يوليو الماضي وفي سياق مشروع الرباعية لإحلال السلام في السودان (سبتمبر الماضي). ولم يزد إعلان ما عرف بـ”الحكومة الموازية” في السودان عن مزيد من التحريج على الحكومة المعروفة بـ”حكومة الأمر الواقع” في بورتسودان من قبل خصومها.
ويرفض الحزب الشيوعي بدوره إضفاء أية شرعية على حكومتي الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا مع أن الأخيرة لم تسفر عن مجلس وزرائها بعد، وبدا أنه استبعدهما كذلك حتى من عملية التفاوض لوقف الحرب لأنه قفز من فوق مشروع الرباعية إلى تصميم الحكومة التي ستتولى الأمر بعد السلام، ودبجها ببرنامج لم يترك شاردة ولا واردة.
ويستغرب المرء أن شمل البرنامج مهمات لا تحتمل التأجيل، بل هي مما يجرى أمام أعيننا. فجاء في برنامج الحكومة الموعودة تأمين عودة النازحين لمنازلهم وقراهم ومدنهم وجبر الضرر وشحذ القدرات الذاتية في إعادة الإعمار وتعويض الفقد التربوي الناتج من أعوام الحرب، وهي مهمات تجرى في يومنا على أرض الواقع أقله في الولايات التي تحت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان. فرأينا منظمة الهجرة الدولية تحصي مليوني سوداني عادوا لدورهم أفواجاً في الولايات المستعادة من “الدعم السريع”.
والذي يطالع ما ينشر عن حياة هؤلاء العائدين يعجب لهممهم في الإعمار من مثل استعادة خدمات المياه والكهرباء والأسواق والشرطة والصحة وحتى زينة الشارع. واشتهر المهندس الشاب أحمد صبري الذي تحمل كاميرته كل صباح للناس هذه الفتوح عن عناية السودانيين بأنفسهم وبيئتهم. وواضح أن لا النازحين ولا اللاجئين انتظروا قيام الحكومة التي رتب الحزب الشيوعي لقيامها بعد حلول السلام.
من جانب آخر يصعب التصديق أن الحزب الشيوعي معني بالفاقد التربوي كما جاء في برنامج حكومته الموعودة. فلو صدقناه لما انتظر به حكومة تتخلق في الأحلام بعد. لو أرقه هذا الفاقد التربوي لما خرجت نقابة المعلمين التي له نفوذ فيها تحتج على حكومة الأمر الواقع في بورتسودان حين عقدت في ديسمبر عام 2024 امتحانات الشهادة الثانوية المؤجلة بسبب الحرب في مناطق سيطرتها، بل استقبلت قاعات امتحاناتها آلاف الطلاب من مناطق “الدعم السريع” وتكفلت بترحيلهم واستضافتهم. وانتقدت النقابة الحكومة وقالت إن عقد تلك الامتحانات هو مجرد “بوليتيكا” تريد بها الحكومة القول افتراء إن زمام الأمر بيدها. بل ذهبت النقابة إلى اتهام الحكومة بالتدبير لفصل السودان لأنها، بعقد الامتحان ضمن ولاياتها، حرمت الآخرين في غير نطاقها، مما سيغبنهم غبناً يكرهون به وحدة السودان.
ويستغرب المرء لامتناع الحزب الشيوعي عن التعامل (لا الاعتراف) مع حكومة الأمر الواقع في جبهات لم ينفر من التعامل مع الرباعية فيها على كراهيته لها، فقال الحزب إنه سيتعاطى إيجاباً مع الرباعية في صون أمن النازحين واللاجئين وعودتهم وضمان سلامتهم في ديارهم، وله مع ذلك في الرباعية رأي أسوأ من رأيه في حكومة الأمر الواقع ربما. فاتهم دول الرباعية بتنفيذ مشروع مشترك للإجهاز على ثورة ديسمبر 2018 على تنافس أطرافها على النفوذ في السودان وموارده الغنية في اليوم التالي للحرب، وتوظيف موقعه الجيوسياسي للهيمنة على الثروات البكر في أفريقيا. فكيف بالحزب يقبل من الرباعية الإمبريالية ما لم يقبله من حكومة الأمر الواقع التي هي “رجعية” في أسوأ أحوالها؟
وكان الحزب الشيوعي مع ذلك هو الحزب الذي خرج منه من مد يده لحكومة الأمر الواقع في بورتسودان لتخفيف وطأة الحرب على الناس. فبادر فرع الحزب في مدينة عطبرة العمالية التي أنشأ داخلها أقدم فروعه في البلد، إلى الاتصال بحكومة المدينة متبرعاً بمولدات كهربائية تقي الناس الظلام. وثارت ضجة إزاء القرار لا نعرف إن هدأت حول إن لم يكن ذلك التقارب من الحكومة رجساً من عمل المرتدين عن صحيح القضية.
وقالت “صمود” إن فرص السلام ستتضاءل ما لم تُقدم مسألة إيقاف الحرب على مسألة الجدل حول الشرعية الذي تحاول أطراف الحرب جعله واقعاً عملياً قبل القبول بالجلوس للتفاوض لإنهاء الحرب. وربما صح القول إن فرص السلام تضاءلت أيضاً إذا لم تحل الشرعية بين القوى المدنية مثل “صمود” والحزب الشيوعي من استنفاد الفرص للخدمة الإنسانية للمدنيين الذين ما كلوا من الاحتجاج من ترويع الحرب لهم ولا ملوا، في مناطق سيطرة حكومة الأمر الواقع في بورتسودان. فلا نريد لجدل الشرعية أن يحول بينها وملايين السودانيين الذين رماهم حظهم التعيس تحت حكومة أمر واقع.






