جمال عبد الناصر.. عصي حد اللعنة!
khalid2474@hotmail.com
توثيق – خالد فتحي
ثمة اعتقاد شائع بين الناس أن جمال عبد الناصر، الذي يكمل عامه المئوي اليوم، كان “حالة إبداعية” ظهرت في الزمن المناسب أكثر من كونه حاكماً أو زعيماً اتفق عليه الجميع.
ولعل أصلح ما يمكن أن يلخص عصر عبد الناصر مقالة للكاتب الصحفي المصري رشاد كامل، صدَّر بها إحدى كتبه بعنوان “إلى ثورة يوليو بكل ما فعلته لنا وبكل ما فعلته بنا”.
أسطورة هيركليز..!
استيقظت الجماهير على حاكم بلون طمي النيل، ذو قامة مديدة تشبه “هرقل” أو “هيركليز” في الأساطير الإغريقية؛ رجل صار تجسيداً لحلم أمة بعد أن تحول من رمز عادي إلى بطل ملحمي.
أحبته الجماهير واحتضنت صورته بدفء، حتى في الأقطار التي لم يكن له عليها سلطان، بل ربما كان نظامها السياسي يحاربه مثل السعودية، حيث تأذى الملك فيصل كثيراً من اندفاع جماهير شعبه لمصافحة عبد الناصر عند زيارته جدة في منتصف الستينات.
لأن عبد الناصر عبّر بصدق عن هوية الوطن الصغير، وبإيمان عن هوية الأمة الكبيرة، تحوّل إلى رمز للحركة الوطنية المعاصرة، والذي رأت الجماهير في صورته صورتها. ويرى الكاتب الإنجليزي جون جونتر: “إن مصدر قوة عبد الناصر الرئيسى هو أنه يرمز إلى تحرير وتقدم الجماهير، فقد أعطى شعبه ما لم يكن يملكه هذا الشعب من قبل: الأمل”.
الرجل الذي ولد من صبرها وحلو أيامها ومرها، ومن قمحها وأرضها ونيلها ونخيلها، يشبهها تماماً، تقدم ليقودها ويلوح هذا الأمل جلياً في أشعار صلاح جاهين والأبنودي وأحمد فؤاد نجم ونزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم ومظفر النواب ومحمد مفتاح الفيتوري، وفي ألحان بليغ والموجي والطويل، وفي أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم ومحمد وردي ومارسيل خليفة وسواهم.
الفقراء يدخلون الجنة..!
أحد أسرار جاذبية جمال عبد الناصر – كما يقولون – أنه أتى في الزمن الصحيح، ظهر حيثما طلبه الناس ووقف حيثما أرادوه أن يقف. بدا الرجل منحازاً على الدوام للطبقات الفقيرة التي خرج من ثناياها، وفي إحدى خطاباته يقول ساخراً من دعاوى البعض بأن الفقراء سيرثون الجنة: “والفقراء دول ما لهمش نصيب في الدنيا نصيبهم بس في الآخرة”.
الفقراء كانوا في عصب الرجل وتحت ناظريه، ولعل أبلغ دليل قانون الإصلاح الزراعي الذي سمح للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديثة والقديمة للفلاح أن يحوز أرضه، وفي فيلم “المواطن مصري” الذي جسّد بطولته النجم العالمي عمر الشريف وعزت العلايلي وصفية العمري، يظهر العلايلي في لقطة مصورة مع عبد الناصر، يقوم بمنحه صك ملكية أرضه ويعلق قائلاً: “عبد الناصر أداني الأرض وكأنو بيقولي حافظ عليها ولا أفرط فيها مهما حصل”.
وتشهد على قوة صلة الرجل بجماهير شعبه وأمته الاستفتاءات غير المسبوقة التي رسمتها جماهير مصر في عدة مناسبات، أبرزها العدوان الثلاثي في 1956م، خطاب التنحي عقب نكسة 1967م، وأخيراً عند رحيله في 28 سبتمبر 1970م.
أعراض متلازمة..!
كان يعمل أكثر من 18 ساعة يومياً. وهنالك أمران عجز كل الأطباء عن علاجهما: تقليل ساعات العمل والتخلي عن التدخين. وكان يقول عندما يُطلب منه ذلك: إنه يحس كلما أراد إطفاء سجارته الأخيرة كأنه يودع صديقاً عزيزاً على قلبه.
وكما يروي محمد حسنين هيكل في كتابه “الانفجار”، كانت صلة عبد الناصر بالجماهير أشبه بأعراض المتلازمة (سيندروم)، كثيراً ما يعود من لقاءاته الجماهيرية وقد امتلأت عيناه بالدموع من شدة التأثر، ويكرر أنه يشعر كأنه يذوب، وأن كلما قدمه قليل أمام ما تنتظره الجماهير منه. لقد كان يعمل كثيراً ولا ينام قبل الثانية صباحاً، وكل ذلك كان من أجل الآخرين.
سأله “سيروس سولز برجر”، مراسل نيويورك تايمز في مارس 1969 عن الأمنية التي يود تحقيقها بعد 25 عاماً، فأجاب: “ليست لي أمنية شخصية، وليس لي شأن شخصي ولا حياة شخصية”. وقال أيضاً: “لقد قضيت الأيام الأخيرة كلها أفكر، وكنت بمشاعري مع شعبنا العظيم في كل مكان، في القرى والمصانع والجامعات والمعامل، وفي المواقع الأمامية في خط النار مع جنودنا، وفي البيوت الصغيرة المضيئة بالأمل في مستقبل أفضل. كنت مع هؤلاء جميعاً، مع الفلاحين والعمال والمثقفين والضباط والجنود، أحاول أن أتفاعل بفكري مع فكرهم، كانت أصابعي على نبض هذه الأمة صانعة الحضارة والتاريخ والمستقبل، وكانت أذناي على دقات قلبها الذي ينبض دائماً بالحق والخير والسلام”.
عبد الناصر والسودان..!
صلته بالسودان بدأت منذ وقت طويل من وصوله إلى السلطة، وبالتحديد عام 1938 عندما طلب نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم، وتحديداً في حامية الجيش المصري بجبل أولياء. وهناك قابل زكريا محيي الدين وعبد الحكيم عامر وبدأ التخطيط لفكرة تنظيم الضباط الأحرار، كما ذكر العديد من رفاقه في التنظيم. ومن الطرائف أن الرصاصات التي أطلقت عليه في الإسكندرية عند محاولة اغتياله في 1954 كادت تصيب وزير الري السوداني المهندس ميرغني حمزة الذي صادف حضور الاحتفال.
ويروي شهود عيان من معاصريه في حامية الجيش بجبل أولياء أن عبد الناصر كان وثيق الصلة بمواطني المنطقة، وكان يقوم بجلب الحطب لإحدى خلاوي القرآن القريبة من الحامية.
وبعد وصوله إلى السلطة، عارض عبد الناصر ضم السودان بالقوة إلى مصر، ويرى محمد فائق، وزير الإعلام في عهد عبد الناصر، أن مصر، بالرغم من سعيها للوحدة مع السودان، اعترفت باستقلال السودان، لتكون أول الدول التي تمنح السودانيين حق تقرير مصيرهم، واستمرّت المؤسسات التعليمية والثقافية المصرية في السودان، كما ترك أسلحة الجيش المصري هدية للجيش السوداني.
مصالحة تحت ظل الشجرة..!
بعد نكسة 1967، نقلت الكلية الحربية المصرية إلى وادي سيدنا وأنشأت القيادة المصرية مطاراً هناك، ما جعل السودان العمق الاستراتيجي لأمن مصر. وقد اشتركت كتائب الجيش السوداني بفعالية في حرب الاستنزاف وفي أكتوبر 1973م.
وتعتبر زيارة عبد الناصر للخرطوم في 29 أغسطس 1967 إحدى العلامات المميزة في مسيرته، فالزيارة جاءت بعد أقل من ثلاثة أشهر من نكسة يونيو 1967، ومثلت أول اختبار عملي لعبد الناصر خارج نطاق سلطة دولته. استقبلته الجماهير السودانية استقبالاً أسطورياً قل نظيره، وكادت الجماهير أن ترفع السيارة التي أقلته من مطار الخرطوم إلى مقر إقامته بفندق “السودان” من شدة تدافعها. وكانت مراسم الاستقبال الحدث الأبرز لمؤتمر القمة العربية الذي عرف لاحقاً بمؤتمر “اللاءات الثلاثة” (لا للصلح، لا للتفاوض، ولا للاعتراف)، وعلقت مجلة نيوزويك الأمريكية قائلة: “إنها المرة الأولى في التاريخ التي يستقبل فيها قائد مهزوم بأكاليل الغار من جماهير أمته”.
وعلى هامش الزيارة، نجح رئيس وزراء السودان محمد أحمد محجوب في وضع خارطة طريق للمصالحة بين عبد الناصر والملك فيصل، واجتمع الرجلان على “فنجان قهوة” تحت شجرة المانجو الشهيرة في صحن منزله بالخرطوم، منهياً قطيعة امتدت لسنوات طويلة.
عبد الناصر واليسار السوداني..!
وعندما وقع انقلاب مايو 1969، اجتهد جعفر نميري لكسب تأييد اليسار العربي، مستفيداً من الثقل الأسطوري لعبد الناصر الذي رأى في انقلابي مايو بالسودان وسبتمبر 1969 في ليبيا بعثاً جديداً للأمة العربية بعد نكسة يونيو 1967.
في الاحتفال الأول بذكرى انقلابه، وصل عبد الناصر إلى الخرطوم لمشاركة قادة الحكم الجديد الاحتفال، وانتهز نميري الفرصة لإظهار قرارات التأميم والمصادرة، بما فيها ستة فروع لبنك مصر (أطلق عليه بنك الشعب التعاوني بعد التأميم).
وجود عبد الناصر في الخرطوم للاحتفال بالاستقلال في يناير 1970 ساعد على احتواء الخلافات بين تيار عبد الخالق محجوب ورجال مايو، وفي أبريل 1970 أقّل الطائرة عبد الخالق محجوب والصادق المهدي إلى مصر، وهناك التقى عبد الناصر، الذي رحب بهما، فعدا إلى السودان بعد أسابيع.
كان هناك تقدير خاص من عبد الناصر لمواقف الحزب الشيوعي السوداني، وإعجاب بشخصية عبد الخالق محجوب، كما لا يُنسى دور الشفيع أحمد الشيخ الذي انخرط في حرب السويس عام 1956.
شهادة رجال السي آي إيه..!
أحد عملاء المخابرات الأمريكية قال: “الممل في عبد الناصر كونه لا يُشترى أو يُغرى أو يُهدد. كنا نكرهه، لكننا لم نكن قادرين على إيذائه لأنه كان نظيفاً جداً وعصياً حد اللعنة”.
وقد بعث الرئيس الأمريكي آيزنهاور له بمبلغ 30 مليون دولار بحجة أنها لتسيير بعض الأمور، ففكر عبد الناصر في رفضها، لكنه أعاد التفكير وقبل المبلغ، وعيّن حسن التهامي لاستلامه، حيث تشاجر الأخير مع السفير لأنه وجد المبلغ ناقصاً 15 دولاراً. وظف عبد الناصر المبلغ في بناء برج القاهرة، ليكون عبرة للاستخبارات الأمريكية أنه لا يمكن شراء أي شخص.
نقاط سوداء في ثوب ناصع..!
عمليات التعذيب في السجون والمعتقلات مثلت نقطة سوداء في عهده، وإن عبرت عنها الأفلام مثل “البريء” و*”الكرنك”* و*”إحنا بتوع الأتوبيس”* دون ذكر الأسماء صراحة. وقد وقع التعذيب غالباً على الشيوعيين والإخوان المسلمين، وغفر الكثير من الشيوعيين لعبد الناصر، في حين احتفظ الإخوان بكرههم له.
ويروي الدكتور يوسف القرضاوي في مذكراته أن خطباء المساجد أُمروا بالصلاة على عبد الناصر، فيما رفض البعض مثل الشيخ مصطفى جبر ذلك، وعوقب مؤقتاً ثم رُفع عنه العقوبة لاحقاً.
كذلك، يُغالي بعض المنتقدين في تصوير عهد عبد الناصر على أنه كان وبالاً على مصر والمنطقة، ويحسبون عهده شراً وبلاءً، متمنين العودة إلى عهد الملكية.
زوار الفجر..!
مهما حاولنا الدفاع عن عبد الناصر، لا يمكن إنكار أن بعض عصره اصطبغ بالخوف، وسادت الوحشة بين المعارضين، وطارت القلوب هلعاً من مفاجآت “زوار الفجر”، وهم رجال المخابرات ومباحث أمن الدولة آنذاك.











