آراء ومقالات

آفاق جديدة – عبدالرؤوف قرناص يكتب : تُطلّ من بوابة معادن فريدة

في خضمّ السعي العالمي المحموم نحو مستقبل الطاقة الخضراء والثورة التكنولوجية الرقمية، تبرز أسماء معادن أصبحت بمثابة دماء الحياة للاقتصادات الحديثة: الليثيوم، الكوبالت، التانتالوم (الكوتان). وهي ليست مجرد عناصر في جدول دوري، بل هي مفاتيح السيارة الكهربائية التي ستسير على طرقنا، والهاتف الذكي الذي لا نفارقه، والطاقة النظيفة التي ستضيء مدننا.

وفي وقت تتسابق فيه الدول العظمى لتأمين إمداداتها من هذه المعادن الإستراتيجية، تطويعاً للمستقبل، تقف السودان على كنز هائل قد لا يدركه الكثيرون. نعم، تحت تربة السودان وفي جباله الشامخة، تقبع احتياطيات واعدة من هذه المعادن التي تُعرف باسم “معادن المستقبل”، لتُطلّ بـ “آفاق جديدة” قد تُغير خريطة الاقتصاد السوداني إذا ما أُحسن استغلالها.

أين تكمن كنوزنا؟

تشير الدراسات الجيولوجية الأولية إلى وجود إمكانات كبيرة:

· ليثيوم المستقبل: تنتشر في جبال البحر الأحمر ومناطق مثل أبي حمد صخور “البيجماتيت”، والتي غالباً ما تكون حاملة لعنصر الليثيوم، ذلك المعدن السحري الذي تقوم عليه صناعة بطاريات المستقبل.

· كوبالت القوة: في منطقة “أبو سمر” بولاية البحر الأحمر، حيث يختزن مشروع النحاس العملاق “جبيت أم آراضي”، يكمن الكوبالت كمنتج ثانوي واعد، وهو العنصر الحاسم لاستقرار وأداء البطاريات عالية السعة.

· تانتالوم (كوتان) التكنولوجيا: عرف السودان سابقاً تصدير خام “الكوتان” من مناطق مثل جبل مرة في دارفور، هذا المعدن الذي لا غنى عنه في صناعة الإلكترونيات الدقيقة والهواتف المحمولة.

التحديات: جسر العبور إلى المستقبل

لا نغفل عن أن الطريق نحو استغلال هذه الثروة ليس مفروشاً بالورود. فالتحديات قائمة، أبرزها:

1. حاجة ماسة لاستثمارات الضخمة في عمليات الاستكشاف المتقدم لتحديد الكميات الاقتصادية بدقة.

2. ضرورة تطوير البنية التحتية من طرق وطاقة لتسهيل عمليات التعدين في المناطق النائية.

3. أهمية تحقيق الاستقرار السياسي والأمني لجذب شركات التعدين الدولية الكبرى ذات التكنولوجيا والخبرة.

4. الانتقال من التعدين التقليدي إلى الصناعي المنظم القادر على استخلاص هذه المعادن بطريقة آمنة ومربحة.

رؤية تحفيزية: من الإمكانية إلى الحقيقة

إن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم تفرض علينا عدم التردد. هذه المعادن ليست مجرد صخور في باطن الأرض، بل هي تذاكر سفر لدخول مستقبل الاقتصادات الخضراء. أمام السودان فرصة ذهبية لعدم الاكتفاء بدور مُصدّر للخام، بل للتفكير في إنشاء صناعات تحويلية متوسطة تُضيف قيمة مضافة هائلة، وتخلق آلاف الوظائف، وتدعم ميزاننا التجاري.

إن تطوير قطاع هذه المعادن الاستراتيجية يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة برؤية واضحة، والقطاع الخاص الوطني والدولي بخبراته ورؤوس أمواله، والمجتمع المحلي بحقوقه ومصالحه. إنها معادلة يمكن من خلالها تحويل التحديات إلى فرص، وبناء ركيزة اقتصادية جديدة تُنوع من مصادر دخل الوطن وتُقلل من الاعتماد على مصدر وحيد.

الخلاصة، أن السودان يقف على عتبة مرحلة تنموية جديدة، وعليه أن يمسك بمفاتيحها التي صنعتها الطبيعة بيد، وصنعها التقدم التكنولوجي العالمي بيد أخرى. الآفاق جديدة حقاً، والأمل كبير، والعزيمة والإرادة هما وقود هذه الرحلة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً.

زر الذهاب إلى الأعلى