آراء ومقالات

حسام الدين كركساوي يكتب :الإنسان السوداني… طيبة تبني رغم الحرب

في خضم هذا الدمار، وبين أصوات الحرب والخذلان، ما يزال السودان يحتفظ بشيء لا تستطيع النخب ولا البنادق أن تهزمه: إنسانه.

ثورة ديسمبر السودان

ذلك الإنسان السوداني البسيط، المتواضع، الكريم، الذي يبني الحياة من رمادها، ويقيم الأمل على أطلال الخراب.

إنه جوهر الشخصية السودانية؛ الطيبة التي لا تُضعف، بل تُعلي. الكرم الذي لا يعرف شرطًا ولا حدودًا، والتكافل الذي يتجاوز الانتماءات الضيقة.

نعم، سنبنيهو — لأن فينا من الخير والوعي ما يكفي لبعث وطن من تحت الركام.

حين ننظر بعمق إلى واقع السودان، ندرك أن الصراع الحقيقي لم يكن يومًا بين مكونات المجتمع، بل بين نخب متصارعة على المصالح والسلطة.

ففي الوقت الذي ترفع فيه بعض القوى شعارات الانتماء القبلي أو الجهوي، نجد في القاعدة الاجتماعية انصهارًا حقيقيًا وتعايشًا فطريًا لا يلتفت إلى هذه الفوارق.

إنه صراع علوي، وليس قاعديًا؛ صراع من صنع الطامحين إلى النفوذ، لا من نسيج الناس البسطاء.

السودان… مجتمع التكافل والتواضع:

يقوم المجتمع السوداني على قيم التكافل الأسري والمجتمعي التي تجعله من أكثر المجتمعات الإنسانية تماسكًا في محيطه.

في الحي الواحد، يتقاسم الناس الأفراح والأتراح بما يُعرف بـ“الكشف”، وفي الشوارع تُمدّ موائد الإفطار الجماعية في رمضان دون أي تمييز بين دين أو لون أو قبيلة.

الضيف لا يُسأل عن أصله، والجار يُكرم كالأخ، والمساعدة واجب قبل أن تكون منّة.

أما التواضع الاجتماعي، فهو سمة متأصلة في الشخصية السودانية:

الضابط يجلس إلى جانب الجندي على مائدة واحدة دون حرج ودون أخلال وظيفي، والتاجر الغني يشارك العامل وجبته، وأستاذ الجامعة يزور أسرة الغفير في احترام إنساني لا يعرف الطبقية.

في هذا النسيج المتكافل، لا مكان للتعالي أو الإقصاء؛ فالمجتمع السوداني يرى الإنسان بإنسانيته، لا بموقعه أو رتبته أو نسبه.

التنوع لم يكن أزمة… بل أُريد له أن يكون كذلك

معظم ما عُرف تاريخيًا من “نزاعات عرقية” في السودان لم يكن نتاجًا طبيعيًا للتنوع، بل صناعة سياسية خبيثة.

ففي دارفور، سلّحت حكومة الإنقاذ بعض القبائل ضد أخرى لتثبيت حكمها، فاشتعلت حرب 2003 المأساوية.

وفي الجنوب، استُخدم الدين كأداة تعبئة لتمديد الصراع حتى انتهى بالانفصال في 2011.

وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، غذّت السلطة التوترات القبلية وأطلقت السلاح بين الأهل.

أما في الشرق، فكانت الفتن تُستدعى كلما احتاجت النخب إلى إلهاء الناس عن مطالبهم.

حتى الحرب الراهنة بين الجيش والدعم السريع جاءت امتدادًا لذلك النهج القديم في صناعة الأزمات من داخل الدولة، لكنها هذه المرة كشفت عن هشاشة بنيوية غير مسبوقة في مؤسسات الدولة.

فبعد عقود من سياسات التمكين والفساد، تآكلت مؤسسات الحكم وضعفت البنية المركزية، مما جعل الصراع يتجاوز حدود السلطة إلى بنية الدولة ذاتها.

لقد خلقت هذه الحرب فراغًا سياسيًا وأمنيًا عميقًا فتح شهية الأطماع الإقليمية والدولية، وأدى إلى تدويل ١الصراع عبر التدخلات المباشرة وغير المباشرة من قوى خارجية تبحث عن نفوذ أو موارد أو موطئ قدم في الجغرافيا السودانية.

وهكذا تحولت أزمة داخلية صُنعت في الأصل لخدمة مصالح النخب، إلى حرب معقدة تتنازع فيها الأجندات الإقليمية والدولية على حساب وحدة السودان وسيادته.

صراع فوقي ومجتمع لا ينكسر:

رغم الخراب والدمار، ظلّ المجتمع السوداني يقاوم بفطرته النقية.

من رحم الأزمات، وُلدت مبادرات التكافل الشعبي، وشبكات الإغاثة، ولجان الأحياء التي نظمت المساعدات وسيرت الحياة وأقامت التكايا لتقديم الوجبات دون انتظار للدولة.

لقد برهن الشعب أنه أكثر وعيًا من نُخَبه، وأكثر قدرة على تجاوز خلافاته.

فحين تفشل السياسة في بناء الدولة، ينجح المجتمع في حفظ الوطن.

نحو عقد اجتماعي جديد:

لن يُبنى السودان بالخطابات، بل بالعقد الاجتماعي الجديد الذي يعيد تعريف الدولة كخدمة عامة لا كغنيمة سياسية.

دولة مدنية تحكمها العدالة، وتُدار بالكفاءة، وتستند إلى قيم المجتمع لا إلى شهوات السلطة.

سودان يُبنى من القاعدة، من وعي الناس وتكافلهم، من ثقافة التعاون والتواضع التي ظلت صمام الأمان في وجه كل انهيار.

_لم تكن مشكلتنا يومًا في_ *_التنوع، بل في تسييس التنوع_* .

*ولم يكن خطرنا في المجتمع، بل في النخب التي فرّقته لتبقى حاكمة*

لكن هذا الشعب، بقيمه وإنسانيته، أثبت أنه أكبر من الحرب، وأعمق من السياسة.

ومن هنا، من هذا الوجع وهذا الإيمان، نقول بثقة وإصرار:

سنبنيهو

زر الذهاب إلى الأعلى