فوزي بشرى يكتب:أيها الانتقاليون تمهلوا قليلا..
مع كامل التقدير للعلاقات الضاربة في القدم بين السودان وبين المملكة العربية السعودية ولما يجمع بين الشعبين من أواصر المحبة والإخاء لكن حديث رئيس الوزراء السيد كامل إدريس يقفز قفزا فوق حقائق لا يمكن القفز عليها أو التهوين من شأنها فضلا عن تجاهلها كأنها لا تقوم في عقل أحد. وفي مقدمة هذه الحقائق الحقيقة الكبرى وهي:
أن كل مؤسسات الدولة القائمة اليوم مؤسسات انتقالية من مجلس السيادة ورئيسه الفريق البرهان إلى السيد كامل إدريس وحكومته، وهم في أحسن الأحوال امتداد لفترة الانتقال المعلولة بعيد إسقاط حكم البشير. وبهذه الصفة فهم جميعهم غير منتخبين من الشعب وليسوا مفوضين منه للدخول في أي ترتيبات أو اتفاقيات ذات أمد يتجاوز فترة الانتقال.
الحقيقة الثانية هي غياب برلمان يمثل إرادة الشعب ويقرر في مصالحه العليا ما كان منها في المستقبل القريب أو البعيد، وفي غياب البرلمان سيكون أمر الشعب في قضاياه كلها جليلها وصغيرها بيد ثلة من الناس تقرر فيه ولا معقب على قرارها ولا مستدرك.
إن مؤسسات الانتقال لا سيما الحكومة تكون أشبه ما تكون بحكومة تصريف الأعمال المتصلة بحاجات الناس الأساسية في الصحة والتعليم والأمن وهذه جميعها مما تعجز الحكومة القائمة عن الوفاء بها.
ولما كانت البلاد تخوض حربا ما خرجت منها بعد فإن الأجدر بالسلطة القائمة صرف همها إلى حسم الحرب التي تتحمل المسؤولية الكاملة عنها حين كانت تدير أذنا صماء لنذرها ولتقارير الأجهزة الاستخبارية التي كانت تحذر من سوء المآل والمنقلب.
إن الحديث عن الاستثمارات الضخمة التي ستأتي بها الحكومة من السعودية هو سعي محمود تقوم به الجهة التي لا تملك الصلاحية لذلك مقصد وهو بهذا المعنى إلهاء للناس واشتغال على حاجتهم للهروب من مستحقات ما بعد الحرب. وإذا بدا لك أن تسأل ما هي مستحقات ما بعد الحرب فأعلم إنها الحكم المدني ولا شيء غيره. ولا ينبغي لك ولا لغيرك أن يصرفه عبث (تقدم) المتحورة إلى (صمود) ولا أوهام (تأسيس) عن مطلبك في الحكم المدني الذي سيخرج بالبلاد من حالة (الانتقال) إلى حالة الحكم المستقر بمؤسساته التي تحاسب على الكبيرة والصغيرة وتملك الحق عبر المؤسسات المنتخبة في إدارة علاقات اقتصادية مع العالم تتوخى فيها مصالح الشعب العليا.
حينها سيجني الشعب ثمرة التعاون مع المملكة العربية السعودية ومع غيرها من دول العالم.
إن البلاد كلها تسوق سوقا إلى (تأبيد) الانتقال وهذه المرة عبر مقولة التنمية المنحية لمقولة الديمقراطية.






