آراء ومقالاتسلايدر

فايز السليك يكتب :كواليس ما قبل انقلاب البرهان – حمدان

لم يكن شهر سبتمبر عام ٢٠٢١ يشبه ما سبقه من شهور خلال الفترة الانتقالية، فقد تلبدت سماء الخرطوم بغيوم الإشاعات، و ازدادت الأحاديث عن اقتراب ساعة الصفر، لم يكن ثمة شيء مخفياً في مدينة نقول عنها أنها لا تعرف الأسرار، بل كانت الأشياء واضحة وضوح سماء الخرطوم في نهار الصيف، وكان الانقلاب يزحف، ويبان على طريقة ” سرد أحداث موت معلن”؛ اسم رواية للكاتب الكولومبي قابريال قارسيا ماركيزاستغل العسكر صراعات وخلافات القوى المدنية؛ مع أنهم لم يكونوا على قلب جنرالٍ واحد،

البرهان ودقلو

بل كانا جنرالاين متنافرين، كانا فتيلة قنبلتين، كانا سلاحين مختلفين؛ لذلك لا أحد منهما يستطيع إعطاء ظهره للآخر، وإن أظهرا تصالحا، إلا أنهما كانا متنافسين؛ وإن اظهرا مودة، بل ما أن ذهب أحدهما إلا؛ وبدأ في التفكير في كيفية توجيه ضربة لصديقه،
كان كل منهما يعبئ بندقيته بالبارود، يكمن لأخر، يبحث عن ثغرة، لكنهما اتفقا على الانقلاب، لماذا؟ كانا مختلفين ومتصارعين وأوشكت الحرب أن تنفجر بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع في يونيو ٢٠٢١ـ أي قبل انقلابهما بأربعة أشهر، ثمة سبب وحدَّهما، فتحالفا ليومٍ واحدٍ. نعم ليومٍ واحد.أكدت مصادرنا حدوث عدة صراعات مكتومة بين الجنرالين، وأنهما كانا يظهران تبرهما من تصرفات بعضهما أمام المقربين منهما، إلا أن أخطر الصراعات المكتومة التي انفجرت كانت في العلن في شهر يونيو ٢٠٢١،
أنقطع التواصل بين رئيس مجلس السيادة ونائبه، بل أن قائد الجيش أسرع بتشييد الدشم الخرسانية حول مداخل القيادة العامة للجيش، كان يهدف بذلك إلى تحصين نفسه من هجمات محتملة؛ قد تشنها قوات الدعم السريع. أراد الفريق البرهان، الجلوس فوق أبراج مشيدة حتى لا يدركه رصاص شريكه حميدتي، كان حالهما مثل حال الاخوة الأعداء، أو قل ” الاخوة كامازوف” في رواية الروائي الروسي فيودور ديستوفيسكي، جلب الجنرال عبد الفتاح البرهان الدشم الخرسانية لتكون واقياً من اختراق تاتشرات ( سيارات الدفاع الرباعي ) التي تستخدمها قوات الدعم السريع في معاركها الحربية. وصلت حدة التوتر بين قوات الدعم السريع والجيش أوجها.
فبالرغم؛ من أن كثيراً من قادة الجيش آثروا السلامة بالتعايش مع الدعم السريع، قبلوه كأمرٍ واقع، يأدون التحية العسكرية لقادته مجبرين، أو قبلوه صاغرين، أو متزلفين في نيل رضاء قائد الدعم السريع، أو من أجل الحصول على سفر لليمن للاشتراك في عاصفة الحزم، طمعاً في مرتبات دولارية؛
سعت ” قوى الحرية والتغيير” للعمل كشرطي مطافئ، حاولت على قدر المستطاع إطفاء حريق النفوس بين البرهان، وحميدتي، اقترحوا عقد لقاء في منزل البرهان، لكن النائب رفض المقترح، ثم طلب الوسطاء من البرهان، قبول دعوتهم لعقد اللقاء بمنزل قائد الدعم السريع، فجاء الرفض هذه المرة من قائد الجيش، ثم اهتدوا إلى أن يستضيف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الرجلين في منزله بكافوري. التئم اللقاء هناك بحضور عددٍ من قادة الحرية والتغيير، والوزراء والمستشارين منهم خالد عمر، طه عثمان، ياسر عرمان، إضافة الى حمدوك، والبرهان وحميدتي وشقيقه عبد الرحيم.حمل آل دقلو، معهم مذكرة تفصيلية تحتوي على معلومات دقيقة، ومخطط لانقلاب ضد الحكومة المدنية يقوده البرهان، نفسه، يسنده الإسلاميون، كان هدف الانقلاب ضرب قوات الدعم السريع أولاً، ثم الانتهاء من القوى المدنية في المرحلة اللاحقة وكنس آثار ثورة ديسمبر، ليعود الإسلاميون من جديد إلى الحكم عبر انتخابات مطبوخة قبل عقدها. رفض القادة المدنيون الاصطفاف إلى جانب الدعم السريع، ضد الجيش، وفي ذات الوقت أكدوا أنهم لن يدعموا أي طرف ضد الآخر، غضب حميدتي وشقيقه غضباً شديداً، واعتبروا أن ما تم من تخاذل المدنيين لا تفسير له؛ إلا بأنه اصطفاف اثني من أبناء الشريط النيلي ضد أبناء دارفور.وسعى فلول البشير، من إسلاميين وشبكات مصالح عبرت عنهم ” الدولة الموازية” لخلق حالة من التوتر وعدم الاستقرار، وخلق الأزمات الاقتصادية، واستغلال الوسائط والتقنيات الحديثة لضخ الشائعات، وفبركة الأخبار، بغرض هز صورة المكون المدني، وكسر هيبة قياداته، ومن ثم غرس الاحباط في نفوس المواطنين، و تنمية مشاعر الاحساس بالفشل بدواخلهم، واليأس من حدوث تغيير، لقد تم صنع هذه البضاعة وتغليفها ثم تسويقها عبر أخبار عن الاختطافات، السرقات، تسعة طويلة، القتل، وحكايات بعض منها صحيح، وبعض منها أحداث مختلقة، لكنها تجد الأذن التي تصدق، وفي مثل هذه المناخات تنتشر الشائعات.وتمتد أيادي التخريب نهاراً جهاراً الى مناطق انتاج النفط؛ لدرجة أن مسلحاً واحداً يتمكن من إيقاف العمل في بئر نفطي بحقل دفرا لمدة 10 ساعات! ولا حياة لمن تنادي، وشخص آخر يقطع أسلاك كهرباء تغذّي 5 آبار في حقل نيم حسب بيانات تجمع العاملين بالنفط.وسط كل هذه الفوضى يخرج رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو ( حميدتي) بتوجيه الاتهامات الى الشريك المدني في السلطة، دون أن يتذكرا أن حماية المؤسسات العامة، والمواقع الاستراتيجية هي مسؤولية المكون العسكري، وأن ملاحقة من يثيرون الرعب في نفوس الآمنين في الخرطوم، ليست مسؤولية الحكومة التنفيذية، ولا قوى الحرية والتغيير.خلاصة الرسالة ” أنا أو الفوضى”، تتصاعد مقاومة التغيير؛ كلما اقتربت عقارب الساعة من اعلان أجل نقل رئاسة المجلس السيادي إلى المكون المدني، هو السبب الذي يزرع وساوس في نفوس كبار الجنرالات، بخروجهم من دائرة الفعل والتأثير السياسي، فالجنرالات يستغلون مواقعهم في الجيش لتحقيق مكاسب سياسية، ولو خرجوا من المعادلة السياسية سوف يخرج القادة الكبار من الجيش وفق قوانين القوات المسلحة، حيث وصلوا رتبة الفريق أول بسبب الوضع الدستوري، ولن يعودوا إلى الوراء لقيادة الأركان، أو هيئات العمليات أو الأسلحة. زادت الهواجس بعد طرح رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، مبادرته الطريق إلى الأمام، وهي مبادرة كان يمكن أن تحقق نجاحاً كبيراً لولا الأخطاء التي صاحبت اعلان الآلية، والتي للمفارقة شملت ألد أعداء المكون المدني وحكومته مثل الناظر سيد محمد الأمين ترك، ناظر الهدندوة، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، ووزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، الى الرافضين، ويدور الهمس جهراً حول تنسيقهما مع أطراف في المكون العسكري ضد رفاق النضال والكفاح المسلح. ومع كل ذلك ليس من العدل أن نلقى باللائمة على المكون العسكري وحده، فالمكون المدني بحكومته وحاضنتها السياسية ساهموا بقدر كبير في ترك المساحات الفارغة، برغم تحقيق اختراقات كبيرة ومهمة في ملف العلاقات الخارجية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإلغاء وإعادة جدولة ديون السودان الخارجية، وبروز مؤشرات ولو ضعيفة تشير إلى إمكانية الخروج من نفق الأزمة الاقتصادية بكثيرٍ من الجلد، ومن قوة الإرادة، مع معالجة الخلل الهيكلي والبنيوي في بنية الدولة السودانية الهشة.

في الحلقة القادمة..
انقلاب بكراوي، وانهيار الشراكة..
كيف كان شرق السودان منصةً للعسكر؟
الصراعات داخل مؤسسات الحكم والمواجهات بين المدنيين والعسكر.
ساعة الصفر وخديعة المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي.

زر الذهاب إلى الأعلى